المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإعجاز التشريعي


masrawy27
04-06-2008, 12:09 PM
رائعة التشريع الجنائي الإسلامي في القصاص
(القصاص حياة) جملة مفيدة معانيها نافذة لا تنفد ولا تموت لأنها حية وكلها حياة عمرها عمر الإسلام والإنسان، وآية بكل ما تحمل هذه الكلمة من مفهوم ومضمون، وهي أيضا حكمة تشريعية تحمل بين طياتها إعجازا تشريعيا لم تصل إليه حتى الآن السياسات الجنائية والعقابية في كافة النظم القانونية الوضعية الموجودة في العالم، رغم أن ظاهرها التناقض، فقد يودي القصاص بحياة الإنسان فتصل العقوبة إلي الإعدام، أي الموت، ولكن مع ذلك فإن الموت هنا حياة للمجتمع.
نتناول هذا الموضوع في بندين هما:
أولا: فلسفة التشريع الجنائي الإسلامي.
ثانيا: القصاص.
أولا: فلسفة التشريع الجنائي الإسلامي
أساس العقوبات الإسلامية(القصاص) فقال الله تعالي في سورة البقرة الآية(179)(ولكم في القصاص حياة) أي التساوي بين الإثم المرتكب والعقوبة الرادعة فقد عبر القرآن عن العقوبة بالمثلات فقال تعالي في عقابه الأمم السابقة (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات)[1] أي إن العقوبات مماثلة للذنوب والآثام، فالعقوبات الإسلامية عامة تقوم علي المساواة بين الجرم والعقوبة ولذلك تسمي(قصاصا) وتلك غاية وهدف تسعي إليه كافة النظم القانونية الموجودة في العالم، ولم يصل إليها إلا النظام الإسلامي.
وقال أهل العلم في تسمية الحدود حدوداً لأنها تفصل وتمنع وتحجز من الوقوع في الجريمة والإثم الذي يضر صاحبه ولا يقتصر ضرره عليه بل يتعداه إلى غيره، ومن هنا قالوا سميت الحدود حدوداً لأنها تمنع من الإقدام على ارتكاب المعاصي ولأنها من جهة أخرى تمنع من ارتكب المعصية من العود إليها إذا أخذ عقوبته المكافأة الزاجرة وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد وبأمة الإسلام أنه لم يجعل أمر العدوان على ثوابت استقرار المجتمعات أمراً يرجع إلى تقدير الخلق ومن ترك شرع الله سبحانه وتعالى تخبط.
لذلك انتشرت الجرائم في تلك المجتمعات ووصلت معدلات الجريمة فيه أرقاما قياسية مخيفة تهدد بأفول نجم الحضارة الغربية، وقد بدأت صيحات التحذير من أفول هذه الحضارة في كل الدول الغربية ومن مضي علي نهجها[2].
الرحمة هي أساس الإسلام والعدل والرحمة متلازمان ولا يفترقان أبدا أحدهما لازم للأخر فالرحمة من لوازم العدل وثمرة من ثمراته فلا توجد الرحمة مع الظلم، كما لا يمكن أن يكون العدل مخالفا للرحمة ويستوي في ذلك العدل بين الناس والعدل بين الدول فالعدالة الحقيقية هي الرحمة الحقيقية، وهناك فرق بين الرحمة والرأفة فالأولي أوسع من الثانية وتكون في الخير العام والعدالة، أما الرأفة فإنها إحساس بالشفقة علي من يتألم سواء كان هذا الألم عدلا أم غير عدل، ومنهي عنها عندما يكون الألم ناتج عن إنزال عقوبة رادعة عن الشر ومانعا للإثم[3].
ويهدف النظام الجنائي في الإسلام لحفظ الكليات الخمس التي لا تقوم الحياة ولا تستمر بدونها وهم( حفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال) وأي جريمة هي اعتداء علي أحدي هذه الكليات السابقة، فقد شرعت كافة العقوبات في الإسلام للمحافظة عليها، ولقد أوضحها حجة الإسلام الغزالي في كتابه المستصفي فقال (( إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة علي مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول، فهو مفسدة، ودفعها مصلحة، وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوي المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلي بدعته، فإن هذا يفوت علي الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص، إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب، إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزني، إذ به حفظ النسب والأنساب، وزجر الغصاب والسراق، إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معايش الخلق وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه الأمور الخمسة))[4]
والمصالح المعتبرة وإن لم تكن دائما ذاتية ولكنها تعد من البدهيات، كما إن المنافع إضافية فقد تكون منافع قوم فيها ضرر بآخرين وقد تكون منفعة عاجلة تدفع منفعة آجلة، مادية أو معنوية لذلك يجب عند تجريم الفعل أو إباحته النظر إلي منافعه ومضاره والتوازن بينهما، كما أن المصلحة المعتبرة من الشارع تختلف عن اللذة والشهوة، فالشهوات والأهواء أمور شخصية وقتية وقد تكون انحرافا وأحيانا تتعلق بأمور لا تنفع ولا تجدي بل تضر، والهوى انحراف عن الفكر فيدفع للفساد ومن ثم للجريمة، وأغراض البشر وغاياتهم ليست دائما متجهة إلي المصالح التي يحميها الإسلام، أنما يحمي الإسلام الأغراض والمنافع الشخصية المتفقة مع المصالح العامة التي يحميها الإسلام، لذلك تقرر إقامة العقاب علي أساس حماية المصالح الإنسانية المتمثلة في حفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، واعتبار العقوبة من العدالة، وظهرت منطقية وحيوية ومضمون ومفهوم الآية الكريمة ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) والملاحظ أن الآية الكريمة اختتمت بالنداء علي(أولي الألباب) أي أصحاب العقول النيرة المفكرة وليست الضالة المظلمة وتلك إعجاز آخر.
ورغم أن كافة النظم القانونية الوضعية الموجودة في العالم قد جرمت الاعتداء علي أي من هذه الأصول الخمسة، ولكنها فشلت في المحافظة عليها حتى أن مجتمعات هذه النظم منها من انهار تحت وطأة الجريمة ومنها من هو في سبيله إلي ذلك الانهيار، فمعدلات الجريمة بلغت أرقام قياسية مرعبة تنذر بكارثة محققة في تلك المجتمعات، ولم ينجح فيما فشلت فيه هذه النظم الوضعية إلا الشريعة الإسلامية خاصة في السياسة الجنائية من حيث التجريم والعقوبة والموائمة بينهما،
إن القانون ضرورة لا مفر منها للجماعة ولا غني عنها للبشر وهو في حقيقته ليس إلا أداة أوجدتها الجماعة لخدمتها وإسعادها، وتستمد القوانين وجودها وشرعيتها من حاجة الجماعة إليها، فوظيفة القوانين عامة هي خدمة الجماعة وسد حاجاتها وإسعادها، فوظيفة القانون تتمثل في تنظيم الجماعة ومنع المظالم وحفظ الحقوق وتحقيق العدالة وتوجيه الشعوب نحو النافع والمفيد، لذلك فإن كل قانون لا تحقق نصوصه هذه الوظيفة أو تخرج عليها يفقد مبررات وجوده ومسوغات مشروعيته، ويعد باطلا لا يطاع ولا يحترم ويجب نبذه وعدم تطبيقه[5].
تختلف القوانين باختلاف الأمم والشعوب لأن القانون مرآة صادقة لماضيها وحاضرها فهو يعبر عن نشأتها وتطورها وأخلاقها وتقاليدها وآدابها ونظمها ودينها ومعتقداها، فقانون أي أمة أو شعب يتضمن القيم العليا السائدة في الأمم والشعوب، لذلك وجدنا القوانين تسمي بأسم الأمم والشعوب، فهناك القانون الأمريكي والقانون الفرنسي والقانون المصري والقانون السوري وغيرهم.
وإذا ثبت انتساب القانون للأمة ثبتت شرعيته وأهليته لحكمها، وطبقه الناس عن رضي نفس وطيب خاطر، لأن الأمة في هذه الحالة أنما تحكم نفسها بنفسها، وتخضع لما تدين به من عقائد وقيم ومثل عليا، لذلك يحرص المقننون في كافة الأنظمة القانونية الموجودة في العالم علي تعديل القوانين حال تطبيقها علي أمة أخري غير أمتها لتوافق الأمة الأخيرة، لأن إلزام أمة بتطبيق قانون أمة أخري دون مراعاة الفروق بينهما معناه إلزامها التخلي عن عاداتها وتقاليدها وآدابها ومميزاتها ونظمها وشرائعها، بل يصل الأمر إلي مطالبتها بالتخلي عن نظامها الاجتماعي والتفريط في دينها، وهذا ما حدث للدول الإسلامية أبان فترة الاحتلال، مما أخرج هذه القوانين عن أهدافها وغاياتها، وأدت إلي فساد وإفساد هذه المجتمعات.
لسن التشريعات والقوانين أصول وقواعد عامة ومسلمات يجب مراعاتها لأنها أساس النصوص وأصل المواد، حيث تدور وتقوم عليها أغراضه وأهدافه السابق بيانها، ولكن الحكام وأذيالهم وأتباعهم في المجالس التشريعية أفسدوا هذه الأصول وشوهوها، واستبدلوها بأخبث في نفوسهم وبما يحصنهم ويضمن لهم الاستقرار علي كراسيهم حتى الممات.
والقانون يتكون من جسم وروح فلا يمكن أن يحقق أهدافه إلا إذا صيغ في نصوص ومواد تحفظ المعاني القانونية الرفيعة من التحريف والانحراف والنسيان، وهذا هو جسم القانون، وروح القانون تتمثل في سلطان القانون علي الناس وتقاس صلاحية القانون بمدي تقبل الأفراد له وقوة سلطانه عليهم الذي يقوم علي عنصرين، عنصر روحي خالص(نفسي)، وهو الصلة بين القانون وقلوب الأفراد ونفوسهم، وتكمن في رضاء الأفراد وقابليتهم لتطبيق واحترام القانون، ولا يتحقق ذلك إلا إذا قامت نصوص القانون علي عقائد تؤمن بها الأفراد أو دين يتبعونه أو مبادئ وتقاليد وقيم يحرصون علي احترامها، وعنصر الإلزام وهو الجزاء الذي يرتبه القانون علي مخالفته كالعقوبة والتعويض والرد والفسخ والبطلان وغيرهم[6].
إن القوانين الوضعية كانت قبل الثورة الفرنسية مزيجا من القواعد الآمرة والناهية الموروثة عن الرومان وغيرهم إضافة إلي بعض المبادئ الأخلاقية والعادات والتقاليد والسوابق القضائية ثم بعض القواعد الدينية التي تختلف باختلاف الدين والمذاهب، وبعد الثورة الفرنسية ورفع شعار (اشنقوا أخر ملك بأمعاء أخر قسيس) تم تجريد القوانين الوضعية من كل ماله علاقة بالدين والعقائد والأخلاق والفضائل الإنسانية، وأصبحت هذه القوانين تنظم علاقات الأفراد المادية وشئون الأمن ونظام الحكم، وذلك تحت زعم تحقيق وتطبيق الحرية والمساواة والإخاء بين الأفراد، ولكن أدي ذلك إلي فساد الأخلاق وانتشرت الفوضى مما أشاع روح التمرد والاستهانة بالقانون وكثرت الثورات وتعددت الانقلابات، وغاب الاطمئنان وأنعدم الأمن.
ولكن الشريعة الإسلامية حلت تلك المشكلة ببساطة ومنطق حيث ساوت بين الأفراد فيما هم متساوون فيه وخالفت بينهم فيما هم مختلفون فيه.
ظلت الشريعة الإسلامية تحكم المجتمعات الإسلامية في الدول العربية والإسلامية منذ أن دخلها الإسلام إلي أن ابتليت بالاستعمار(الأستخراب) الغربي الصليبي، والغريب في الأمر أنهم أطلقوا علي الاحتلال الغربي للدول العربية والإسلامية (استعمارا) زورا وبهتانا، لأن أي كلمة تدخل عليها في اللغة العربية حروف(أست/أ/س/ت) يكون معناها طلب الشيء الذي دخلت عليه مثل(استعلام) أي طلب العلم بشيء، ومصطلح (استعمار) مفادها طلب العمران، فهل كان الاحتلال الغربي الصليبي للدول العربية والإسلامية طلبا للعمران؟ .
لذلك يجب بداية بيان معاني ومفاهيم مضمون المصطلحات التي نستعملها، وتحريرها من الغزو الثقافي الغربي، وتعرية المصطلحات الغربية وبيان مفاهيمها ومضمونها، وعدم استعمالها واستعمال المصطلحات والمفاهيم الإسلامية في كافة العلوم حتى يتم أسلمة العلوم والثقافة والآداب بل والحياة حتى يعود الإسلام ليحكم كافة تصرفاتنا وتحركاتنا.
لذلك نحن نري أن الاحتلال الغربي الصليبي للدول العربية والإسلامية كان استخرابا وليس استعمارا.
أذن فقد دخلت القوانين الوضعية الدول العربية والإسلامية مع هذا الاستخراب الغربي الصليبي، وتمت تنحية وعزل الإسلام ليس كدين فقط بل أيضا كهوية وتشريع ومنهاج حياة وقانون وتم عزلة عن منصة الحكم والتشريع والقضاء، في الدول العربية والإسلامية، واستبداله بالقوانين الوضعية تحت زعم الأخذ بأسباب المدنية الأوربية والتقدم الأوربي والمدنية الحديثة، كأنما التقدم الأوربي والمدنية الحديثة مرجعة وسببه هذه القوانين الوضعية، رغم تفاهة تلك الحجة الفارغة فقد وجدت عقولا مهزوزه ومهزومة فكريا صدقتها بل آمنت بها وقاتلت من أجل نشرها وتلقينها للنشء في كافة مراحل التعليم.
أن هذه القوانين الوضعية المستوردة والمفروضة هي قوانين الدولة الرومانية عليها مسحة من النصرانية وأن هذه القوانين لم تمنع أبناء الإسلام الأوائل – الذين طبقوا الإسلام منهج حياة وتشريع وقضاء - من ليس هزيمة الدولة الرومانية فقط بل هدمها وانتهت الإمبراطورية الرومانية من علي الوجود في أعوام قليلة ولم تمنع هذه القوانين هذه الإمبراطورية من الهزيمة ولا من الانهيار، كما أن هذه القوانين لم تمنع الهزيمة المنكرة الدول الأوربية في الحروب الصليبية.
أن تأخر المسلمين ليس راجعا للتشريع والقوانين الإسلامية فالشريعة الإسلامية أفضل وأسمى من أي قانون وضعي وقد شهد بذلك كبار من علماء القانون في العالم الغربي، أنما يرجع تأخرهم لترك تعاليم الإسلام، فتركيا مع الإسلام خلافة عظيمة ودولة كبري تهابها كل الدول الغربية فقد لقنت أوربا دروسا عظيمة وهزيمتها هزائم منكرة، وتركيا الآن دولة تستجدي الدخول في الاتحاد الأوربي، ولو كانت هذه الفرية صادقة لكانت الدول العربية والإسلامية قد بلغت حاليا درجة كبيرة في التقدم والرقي وكانت تنافس أوربا حاليا في النهضة والتقدم العلمي ولكن العكس هو الذي حدث حيث أصبحت من دول العالم الثالث النامي.
يردد البعض بأن الشريعة الإسلامية (لا تصلح للعصر الحاضر) وهم فريقان الأول لم يدرس القانون ولا الشريعة الإسلامية والثاني درس القانون دون الشريعة الإسلامية، وكلا الفريقين ليس أهلا للحكم علي الشريعة الإسلامية لجهله بأحكامها ومن جهل شيئا عاداه، ويكون عدوا له وبالتالي لا يصلح للحكم عليه لسببين الجهل والعداوة، وهم يبنون رأيهم الخاطئ علي قياس خطأ وليس علي دراسة علمية منظمة، لاعتقادهم أن القوانين الوضعية حاليا لا تمت بصلة إلي القوانين القديمة التي كانت مطبقة حتى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وأن القوانين الوضعية الحديثة قائمة علي نظريات فلسفية واعتبارات اجتماعية وإنسانية لم تكن موجودة في القوانين القديمة، وبالتالي فهم لا تصلح للعصر الحاضر لفقدانها الأسس التي تقوم عليها القوانين الحديثة، ويبنون علي ذلك استنتاج خاطئ باعتبار الشريعة الإسلامية من قوانين الماضي التي تفتقد الأسس والنظريات والفلسفيات، فهذا القياس فاسد وخاطئ لأنه قياس بين مختلفين من عدة أوجه من حيث المصدر فالشريعة الإسلامية مصدرها الله – سبحانه وتعالي- خالق الخلق، الذي لا يعتريه النقص والنسيان، بخلاف البشر الذين فطروا علي النقص والطغيان والنسيان، ومن حيث الطبيعة فالشريعة الإسلامية إلهية المصدر أي عبادة وتشريع وحياة، فلا يجوز ولا يصح قياس ومقارنة الناس برب الناس، فالخلافات جوهرية وعميقة، فلا تصح المقارنة ولا القياس فالمقارنة فاسدة والقياس باطل.
أن النشأة الأولي للقوانين الوضعية بدأت مع تكوين الأسرة والقبيلة فكلمة رب الأسرة كانت قانون وكلمة شيخ القبيلة كانت قانون، وظل القانون يتطور مع الجماعة حتى تكونت الدولة، ومع اختلاف عادات الأسر فيما بينها وتقاليد القبيلة مع غيرها من القبائل الأخرى، فقد عمدت الدولة علي توحيد العادات والتقاليد وجعلت منها قانونا ملزما لكافة الأفراد والأسر والقبائل الداخلين في نطاقها، ولذلك كانت لكل دولة قانون يختلف عن غيرها من الدول، وفي القرن الثامن عشر تطورت القوانين علي هدي النظريات الفلسفية والعلمية والاجتماعية أصحبت قائمة علي تلك النظريات التي أسست علي العدالة والمساواة والرحمة والإنسانية، ونتج عن ذلك وجود قوانين متشابهة في عدة دول ولكن بقي لكل دولة قانونها المختلف عن غيرها من القوانين.
أما الشريعة الإسلامية فهي تختلف من حيث النشأة مع القوانين الوضعية فلم تكن قواعد قليلة ثم نمت وتطورت ولا مبادئ متفرقة ثم تجمعت ولا نظريات أولية وتهذبت، ولم تتطور الشريعة الإسلامية مع تطور الجماعة البشرية، أنما نشأت وولدت شابة كاملة مكتملة شاملة من عند رب العالمين –سبحانه وتعالي- فهي كاملة بكماله وخالدة بخلوده،
فهي صالحة لكل زمان ومكان علي مر العصور وكر الدهور للأفراد والجماعات والدول، فقد جاءت الشريعة الإسلامية من يوم مولدها بأحدث وأكمل النظريات التي منها ما وصلت إليه القوانين الوضعية أخيرا ومنها ما لم تصل إليه القوانين الوضعية حتى الآن، مما يعني عدم وجود مقارنة أو مماثلة أو قياس فالاختلافات أسياسية وجوهرية بين الشريعة الإسلامية وبين القوانين الوضعية[7].
الاختلافات الأساسية بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية
تختلف الشريعة الإسلامية عن القوانين الوضعية من عدة وجوه:
1 – الشريعة الإسلامية من عند الله – سبحانه وتعالي - والقوانين الوضعية من صنع البشر، ولا يصح ولا يجب ولا يعقل أن نعقد مقارنة بين الخالق – سبحانه وتعالي - وبين المخلوق، وحيث أن الأفعال والتصرفات تأخذ صفات المصدر فأن الشريعة الإسلامية تكون كاملة مكتملة خالدة صالحة لكل زمان ومكان علي مر الدهور وكر العصور، فهي كاملة بكماله – سبحانه وتعالي – خالدة بخلوده، أما القوانين الوضعية فهي تحمل صفات البشر وطبائعهم فهي ناقصة منقوصة بنقص الإنسان مؤقتة بحياته وظروفه ومحددة بقصر نظره وعصره.
2 - القوانين الوضعية مؤقتة وضعت لمرحلة معينة وظروف معينة ومع تغير الظروف والعلاقات بين الجماعات البشرية، فالحياة متغيرة متطورة بينما القوانين الوضعية المفروض فيها الثبات، ولذلك فهي ثابتة تحكم متغير وبالتالي فهي لا تساير التطورات والتغيرات في المجتمعات وبالتالي فهي مشوبة بالنقصان وغير مكتملة الأركان، بينما الشريعة الإسلامية وضعها خالق الزمان والمكان، الذي بيده مجريات الأحداث والواقع والوقائع، فهي لذلك تساير التغييرات والتطورات التي تحدث في المجتمعات البشرية كما أنها تستوعب المستجدات المستقبلية التي يمكن أن تحدث في المجتمعات البشرية.
2 - نصوص الشريعة الإسلامية تتصف بالمرونة والعموم بحيث تتسع لحاجات الجماعة علي مر الدهور وكر العصور، وتستوعب التغييرات والتطور، كما أن قواعد الشريعة الإسلامية ونصوصها من السمو والارتفاع بحيث أنها لا يمكن أن تتأخر في أي مكان أو زمان أو تنخفض عن مستوي الجماعة البشرية.
3 – أن الشريعة وضعت لتنظيم وتوجيه البشر لذلك فهي دين وقانون، فالجماعة البشرية خاضعة للشريعة الإسلامية، بينما القوانين الوضعية وضعت لتنظيم الجماعة لذلك فالقانون الوضعي تابع للجماعة وخاضع لها ولتطوراتها.
4 – الجزاء في الشريعة الإسلامية في الدنيا والآخرة، بينما الجزاء في القوانين الوضعية دنيوي فقط، إن الشريعة الإسلامية تتصل قوانينها بقانون السلوك الإنساني العام، وأحكامها تتفق مع قانون الأخلاق والفضيلة، وعقابها دنيوي وأخروي فالأفعال الظاهرة يعاقب عليها بعقوبة دنيوية والأفعال غير الظاهرة يكون عقابها أخروي أمام الله سبحانه وتعالي، لذلك اتصلت الشريعة الإسلامية بالضمير الإنساني والوجدان، واتصال الحكم الدنيوي بالضمير الديني يشعر الإنسان أنه في رقابة مستمرة، من ربه سبحانه وتعالي، وذلك يعد أهم مانع نفسي وروحي من الجرائم، مما جعل مرتكب الجريمة سرا يذهب إلي الرسول صلي الله عليه وسلم ويطلب منه أن ينفذ عليه العقوبة ويقيم عليه الحد بوازع من ضميره وحسه الإيماني الذي خلقه ونماه فيه الخالق سبحلنه وتعالي[8] بخلاف القوانين الوضعية فإن المجرم إذا لم يكتشفه أحد أفلت من العقاب وأزداد ضراوة وإذا دخل السجن مدة طويلة أو قصيرة فأنه يزداد خبرة في الإجرام، فالعقوبات في القوانين الوضعية غير مانعة للجريمة.
فالعقوبات في الشريعة الإسلامية تعمل علي منع الجريمة بثلاث طرق هي:
1 - التهذيب النفسي وتربية الضمير، فقد هذب الإسلام النفس الإنسانية بالعبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج لبيت الله الحرام، مما يجعل العبد المسلم أليف مؤتلف يري نفسه من ومع وإلي الجماعة التي يعيش في وسطها وكنفها وبالتالي فهو يعمل لصالحها وعلي حمايتها حتى من نفسه.
2 – تكوين رأي عام فاضل عماده وأساسه الأخلاق الفاضلة الكريمة لذلك دعت الشريعة الإسلامية إلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسود بذلك خلق الحياء في المجتمع الإسلامي والحياء إحساس قوي بالقيود النفسية التي تجعل الجماعة وما يرضيها مكانا في النفس الإنسانية مما يجعل الشخص يحس بسلطان الرأي العام علي نفسه، ولذلك حث الإسلام علي الحياء ودعا إليه النبي صلي الله عليه وسلم وأكثر من الدعوة إليه.
3 – العقوبات الزاجرة والمانعة الرادعة فالعقوبة رادعة للمجرم زاجرة لغيرة، فالغاية من العقوبة في الشريعة الإسلامية أمران حماية الفضيلة وحماية المجتمع من أن تتحكم فيه الرزيلة والثاني المنفعة العامة ومصلحة الناس، فالفضيلة والمصلحة وإن كانا يبدو بينهما خلاف إلا أنه ظاهري بل هما متلازمان فلا فضيلة بدون مصلحة ولا مصلحة بدون فضيلة، بل أن كثير من علماء الأخلاق يعتبرون مقياس الفضيلة أو الخير هو المصلحة الحقيقية بدون هوي.
4 – العقوبة شفاء لغيظ المجني عليه وليست للانتقام فشفاء غيظ المجني عليه وعلاجه له أثره في تهدئة نفس المجني عليه فلا يفكر في الانتقام ولا يسرف في الاعتداء وبالتالي تنتشر الجريمة وتتفشي في المجتمع، بالإضافة إلي الحفاظ علي الكليات الخمس السابق بيانها، ويعتبر ما سلف خير مانع للجريمة.
فالشريعة الإسلامية تتميز عن القوانين الوضعية بالكمال والسمو والمرونة والدوام والثبات والاستقرار، ويرجع ذلك إلي أنها منزلة من عن الله – سبحانه وتعالي- الذي يتصف بالكمال والسمو والقدرة والدوام.
ثانيا: القصاص
ومن أهم السمات التي يتميز بها الشرع الإسلامي الحنيف عن القوانين الوضعية القصاص كعقوبة للجرائم، والقصاص في الشريعة الإسلامية ثابت وأصيل وله سنده في القرآن والسنة والإجماع، وهو جوهر نظرية العقوبة في الشريعة الإسلامية وسوف نوضحه من حيث المفهوم والمضمون والأنواع والأحكام والنطاق.
1 - تعريف القصاص
تعددت التعريفات في الفقه الإسلامي للقصاص فلا يوجد فقيه أو مذهب في الفقه الإسلامي إلا وتعرض للقصاص بالبحث والدراسة والتفصيل من بدايته إلي نهايته، ورغم ذلك فأنها متفقه في المضمون وإن اختلفت في المبني الألفاظ، نورد هنا بعض منها، وللقصاص تعريف لغوي وتعريف شرعي (مصطلح).
- التعريف اللغوي للقصاص:
القصاص لغة: المساواة علي الإطلاق ومعناه أيضا التتبع ومنه قصص السابقين بمعني أخبارهم[9]، (والقصاص مأخوذ من قص الأثر، وهو إتباعه، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار، والأخبار، وقص الشعر أثره، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره فيها، ومشي علي سبيله فيها، ومن ذلك قوله تعالي(فارتدا علي آثارهما قصصا)([10]) وقيل القص القطع، يقال قصصت ما بينهما، ومنه أخذ القصاص، لأنه يجرحه مثل جرحه، أو يقتله به، ويقال أفص الحاكم فلانا من فلان، وأباده به فأمتثل منه أي اقتص منه)[11].
- المعني الشرعي أو الاصطلاحي:
والمقصود بالقصاص في الشرع (أن يعاقب المجرم بمثل فعله فيقتل كما قتل ويجرح كما جرح)[12] وهو (عقوبة مقدرة ثبت أصلها بالكتاب، وثبت تفصيلها بالسنة، وهو المساواة بين المساواة بين الجريمة والعقوبة)[13].
ويوجد بين المعني اللغوي والمعني الشرعي تناسب، لأن القصاص يتتبع فيه الجاني، فلا يترك بدون عقاب، ولا يترك المجني عليه من دون أن يشفي غليله والقصاص هو عقوبة الدماء بشكل عام سواء أكانت دماء موضوع الاعتداء فيها النفس أم كان اعتداء موضوعه طرف من الأطراف، أم كان اعتداء موضوعه جرح من الجروح، وضمان المتلفات، أي التعويض بالمثل في الأموال والأسواق، والقصاص موجود في كل العقوبات الإسلامية غير الحدود، وهناك قصاصا قدره الشارع بالنص، وقصاصا آخر لم يحدده الشارع، وترك تحديده لولي الأمر.
2 - أنواع القصاص
وقد قسم الفقهاء القصاص إلي قسمين، قصاص صورة ومعني وقصاص معنوي فقط ، فالأول مفاده أن ينزل بالجاني من العقوبة المادية مثل ما أنزل بالمجني عليه، وهذا النوع هو الواضح والظاهر من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وهو الأصل في القصاص، والثاني قصاص المعنوي وهو دية ما أتلف بالجناية وأرش الجناية، وهو عبارة عن العقوبة المالية علي الاعتداء علي الجسم بالجرح والشج، وهذا القصاص المعنوي الذي يوجد في حالة عدم تعذر الوصول إلي القصاص الأصلي لأنه غير ممكن في ذاته كجرح لا يمكن المماثلة فيه، وفي حالة عدم توافر شروط القصاص الحقيقي، وفي حالة وجود شبهة تدرأ بها العقوبة، أي أنه في حالة سقوط القصاص الأصلي الصورة والمعني وجب القصاص المعنوي.
ومن حيث نوع الجريمة قسم الفقهاء القصاص إلي نوعين هما:
1 - قصاص في النفس، أي قتل النفس، عمدا أو شبهة عمد.
2 - قصاص فيما دون النفس، أي في الأطراف والجروح.
من التعريفات السابقة للقصاص يتبين لنا أن القصاص جزاء وفاق للجريمة فالجريمة اعتداء علي النفس الإنسانية، فمن العدالة أن يؤخذ المجرم بجريمته بمثل فعله، وليس من المعقول أن نفكر بالرحمة بالجاني ولا نفكر في ألم المجني عليه وشفاء غيظه، فالقصاص يحمي حياة الناس لأن القاتل إذا حرم أحد من الحياة فأنه يحرم منها، وبالتالي يحافظ علي حياته، لذلك فالقصاص حياة لأنه يحافظ علي الحياة.
ثالثاً - الأساس الشرعي للقصاص
القصاص ثابت في الشريعة الإسلامية بالنص عليه في القرآن الكريم والسنة النبوية وفعل الرسول صلي الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون والصحابة رضوان الله عليهم وإجماع الأمة:
1 – القصاص في القرآن الكريم:
ورد النص علي القصاص في القرآن الكريم في عدة آيات هي:
- في قوله تعالي ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ {178} وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {179})([14].
- وفي قوله تعالي:(( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ))[15]
- وفي قوله تعالي(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {45}[16].
- وفي قوله تعالي:( @وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا )[17]
- وفي قوله تعالي: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)([18])
2 - القصاص في السنة النبوية الشريفة:
وردت أحاديث في السنة النبوية الشريفة دعت إلي الأخذ بالقصاص وحثت عليه أي في السنة القوليه، وهناك من السنة الفعلية ما أخذ بذلك بالفعل، ومن الأحاديث النبوية ما يلي:
- قال رسول الله صلي الله عليه وسلم( من قتل قتلناه) وقوله صلي الله عليه وسلم (كتاب الله القصاص) وقوله عليه الصلاة والسلام(لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بأحدي ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه[19].
- وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم(مَن قتل عبده قتلناه ومَن جدع عبده جدعناه)[20]
- وعن أنس بن مالك رضي أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجريين فسألوها: مَن صنع بك هذا؟ فلان حتى ذكروا يهودياً فأومأت برأسها فأخذ اليهودي فأقر فأمر رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجريين[21].
- وعن أنس رضي الله عنه: أن الرُّبَيع بنت النضر عمته كسّرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الإرث فأبوا، فأتوا رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فأبوا إلا القصاص فأمر رسول الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: يا أنس كتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (إن من عباد الله مَن لو أقسم على الله لأبره)[22].
- وقد روي عن الرسول صلي الله عليه وسلم قال:( من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفتدي وإما أن يقتل) وقال أيضا( من أصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين احدي ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يأخذ العقل، وإما أن يعفو، فأن أراد برابعة فخذوا علي يديه).
3 – الإجماع:
وعليه إجماع الأمة والأئمة بلا خلاف، وعليه إجماع الصحابة والتابعين وتابعي التابعين[23].
رابعاً - حكم القصاص
فرض الإسلام القصاص حتى لا تنتشر الفوضى والاضطرابات في المجتمع، ولإبطال ما كان عليه الجاهليون قبل الإسلام من حروب بين القبائل يموت فيها الأبرياء الذين لا ذنب لهم ولا جرم، فجاء الإسلام وبيَّن أن كل إنسان مسئول عما ارتكبه من جرائم، وأن عليه العقوبة وحده، لا يتحملها عنه أحد.
يأخذ القصاص في الشريعة الإسلامية حكم الفرض الثابت فقد جاء في القرآن الكريم(كتب عليكم القصاص) فهو في منزلة الصيام والجهاد من حيث الحكم فقد جاء في القرآن الكريم (كتب عليكم الصيام)(البقرة:183) و(كتب عليكم القتال) البقرة:(216) وقال تعالي في سورة النساء الآية(103)(إن الصلاة كانت علي المؤمنين كتابا موقوتا) أي أنه من الفروض الثابتة.
تتضمن الآية(179) من سورة البقرة(( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)) الحكمة من القصاص في معان بلاغية هي:
1 – جعلت فائدة القصاص عامة تشمل المجتمع كله ولم تقصره علي ولي الدم وحده( المجني عليه) بدليل قوله تعالي في بداية الآية(ولكم) فالقصاص ليس انتقاما لفرد ولكن للمحافظة علي حياة الجماعة والمجتمع المسلم كله.
2 – أطلاق لفظ(القصاص)علي العقوبة فيه حكمة أبلغ من العدالة لأن القصاص يتضمن المساواة بين الجريمة والعقوبة، مما يعد معه القصاص مانع قوي وسدا منيعا للجريمة، وبذلك يحيا المجتمع حياة هادئة هانئة مستقرة وتنعدم الجريمة في المجتمع، وهذه غاية لم تصل إليها النظم القانونية الوضعية حتى الآن، فالسياسة العقابية في أي نظام قانوني تهدف للمساواة بين الجريمة والعقوبة.
3 – يتبين من الآية أن حياة الجماعة في القصاص، لأن عدم وجود القصاص يؤدي إلي أهدار الدماء وكثرة القتل في المجتمع، مما يؤدي إلي الفوضى في المجتمع، مما يهدد حياة الجماعة ويهددها بالفناء.
4 – تشير الآية أن الحياة التي تستحق أن يطلق عليها حياة هي الحياة الهادئة المستقرة وهي التي تتحقق بالقصاص، والدليل علي ذلك أن كلمة (حياة) جاءت في الآية نكرة والتنكير هنا للتفخيم والتعظيم.
5 – أن هذه الحكمة البالغة والغاية العظيمة لا تدركها إلا العقول النيرة السليمة التي تعرف جيدا مصلحة الجماعة، فالخطاب في الآية الكريمة لأولي الألباب فقال تعالي(يا أولي الألباب) وهم أصحاب العقول التي خلصت وبرأت من الأهواء والشهوات.
6 – تعتبر هذه الآية ردا بليغا علي دعاة إلغاء عقوبة الإعدام، وتعضدها وتساندها وتؤكدها الآية(32) من سورة المائدة، لأن إلغاء هذه العقوبة يعني كثرة القتل في المجتمع وانتشار الفوضى مما يأتي إلي انهيار هذه المجتمعات، فلا خوف من الحرمان من الحياة وبذلك تنتشر الجرائم الخطيرة التي تهدد كيان المجتمع كله.
ننتقل إلي الآية(32) من سورة المائدة :(( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ))
هذه الآية نزلت في حادثة قتل قابيل علي يد أخيه هابيل أبني آدم، والعلاقة بينها وبين القصاص بيان الداء والعلاج معا فالداء هنا في حادثة القتل الحقد والحسد وفقد العواطف الإنسانية النبيلة عند القتل، مما يعني أن القاتل قطع كل الروابط التي تربطه بالجماعة بإقدامه علي القتل، مما يجعله عنصر تدمير وفساد في المجتمع، لذلك ينبغي أن يكون الدواء من جنس الداء عن طريق إبعاده عن المجتمع وحرمانه الحياة كما حرم المقتول من الحياة، لذلك يجب بتره من المجتمع.
والآية الكريمة تبين أن الاعتداء علي النفس هو الجريمة بدون تفضيل في الأنفس سواء أكانت نفس طفل أو رجل أو امرأة، كما لا يهم اللون أو المكانة أو الوظيفة أو الحسب والنسب، فمناط الحماية في الآية الكريمة هي النفس الإنسانية ذاتها، مما يدل علي أن الشريعة الإسلامية تحمي النفس الإنسانية ولا تهدرها بدون حق أو سبب، وتأكيدا علي ذلك جعلت الآية قتل نفس واحدة مساوية لقتل الناس جميعا فقال تعالي:( الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) التشبيه هنا يدل علي اهتمام الإسلام بالنفس الإنسانية وعظم جريمة القتل، فحق الحياة مقدس وهو حق ثابت لكل فرد في المجتمع بقدر متساوي، لذلك عدت الآية قتل نفس بمثابة قتل كل الأنفس وتعادل قتل الناس جميعا لأنه تعدي علي الإنسانية كلها.
وتأكيدا علي أن القصاص حياة قال تعالي في هذه الآية(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) ويدل ذلك علي أن القصاص من القاتل يعني إحياء للحياة المجني عليه باحترام دمه وعدم ضياعه هدرا، وبالتالي تتحصن حياة كل نفس في المجتمع وتحمي وتحيى، لأن القصاص فيه ردعا عام للمجتمع فمن عرف أنه إذا قتل سوف يقتل فأنه يحفظ ويحافظ علي حياته وحياة غيره، وقد أشارت هذه الآية إلي الغاية الحقيقية من القصاص وهي المحافظة علي حياة الأفراد في المجتمع، هذا بشأن القصاص في القتل.
ولكن القصاص يوجد أيضا في الأطراف وليس في القتل وحده، وبينت ذلك ونصت عليه الآية(45) من سورة المائدة فقال تعالي((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)).
وقد أجمع فقهاء الإسلام من عهد الصحابة إلي عصر الأئمة المجتهدين وبإجماع الأمة علي أن القصاص فرض فيما دون النفس ومكتوب إذا أمكن، بدليل النص عليه في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لأن ما دون النفس(الأطراف) يجب المحافظة عليه والقصاص يحافظ عليه، والقصاص يجب في كل الأطراف وليس في الأطراف المذكورة صراحة في الآية(45) السالفة، بدليل قوله تعالي(وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).
وقد أخذ بعض القانونيين علي القصاص فيما دون النفس بعض الانتقادات هي:
1 – يؤدي الأخذ به إلي كثرة المشوهين في المجتمع، مما يعيق العمل وينقص من القدرة البشرية في المجتمع.
2 – أنه ليس عقابا بل انتقاما، وغاية القوانين الإصلاح وليس الانتقام.
3 – لا يندر المساواة في قطع الأطراف، حيث يمكن قطع اليد القوية باليد الضعيفة.
هذه الانتقادات غير صحيحة بل هي مغرضة لما يأتي:
1 - أن القصاص في الأطراف لا يكثر المشوهين في المجتمع بل العكس هو الذي يحدث، لأن الإنسان إذا عرف أنه إذا أقدم علي قطع يد أخر فأن يده ستقطع، فأنه لن يقدم علي هذا الفعل، مما يتحقق معه منع الجريمة وليس زيادتها كما يدعي هؤلاء.
2- أن القصاص في الأطراف ليس انتقاما لأن الانتقام ليس فيه مساواة بين الجريمة والعقوبة بل مساواة حقيقية بينهما كما أن الانتقام يكون من المجني عليه وليس من ولي الأمر(الحاكم أو من ينوب عنه)، والقصاص يقوم به ولي الأمر وليس المجني عليه.
3 – مناط الحماية في القصاص فيما دون النفس أي في الأطراف والجروح هي سلامة الأعضاء وليس التساوي في القوي الطبيعة، أي قوتها، فقد تكون يد ضعيفة في نظر الناس ولكنها في نظر صاحبها قوية تؤدي دورها في حياته كاملة كما هو الحال مع الأقوياء الأصحاء، لأن أساس القصاص المساواة في الأنفس البشرية لأن الناس متساوية أمام التشريع الإسلامي.
وعلي ذلك لا يجب ولا يصح أن يكون هناك تفاوت بين الناس في القصاص، وقد أكد ذلك قول الرسول صلي الله عليه وسلم(المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) فالمساواة في القصاص تكون في الأنفس والأعضاء والدماء، فلا تفرقة بين الناس في الأوصاف سواء كانت أوصافا ذاتية فلا فرق بين لون ولون[24] فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم(كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي علي أعجمي ولا أبيض علي أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح) وقال أيضا (الناس سواسية كأسنان المشط).
يلاحظ عند القصاص في الأطراف تحقيق المماثلة وعدم الاعتداء أو النقص في أمور ثلاثة هي:
1 – التقابل بين الأعضاء فالأعضاء المتقابلة تقطع، فاليد اليمني باليد اليمني والصحيحة بالصحيحة فلا تقطع الصحيحة بالمريضة وهكذا.
2 – الأ تؤدي المقابلة إلي زيادة أو نقص، بمعني أن يكون التماثل ممكنا لا يزيد عن الجريمة، فإن كان التماثل غير ممكن فلا يوجد القصاص، التماثل في الوصف والتماثل في فقد المنافع.
3 – أن تكون المنفعة التي فقدت تقابل المنفعة التي تزول بالقصاص.
4 - لا يقام القصاص إلا بعد أن يشفي المجني عليه، فإن شفي وعاد لهيئته ولم يحدث نقصان فليس فيه قصاص، فإن كان هناك نقصان أقيم القصاص بحسب ما قطع.
خامساً- القصاص في غير القتل والقطع والجروح
يُشرع القصاص في اللطمة والضربة والسبة وغير ذلك بشرط المساواة، ويشترط في القصاص في اللطمة والضربة ألا تقع في العين، أو في أي عضو من الممكن أن يتلف نتيجة هذه الضربة.
القصاص في السب: ويشترط في القصاص في السب ألا يكون السب بما هو محرم، فليس للإنسان أن يلعن من لعن أباه، ولا أن يسب من سب أمه وهكذا، وليس له أن يكذب على من يكذب عليه، ولا أن يُكَفِّر من كفَّره.
القصاص في إتلاف المال: فمن أتلف مال غيره، كأن هدم له داره أو غير ذلك، يقتص منه بأن يهدم داره وهكذا، وقال بعض الفقهاء: إن هذا القصاص غير جائز، وإن على المعتدى أن يدفع مثل ما أفسده أو قيمته.
القصاص يكون في العدوان المقصود(العمد)، فالقصاص جزاء الاعتداء، ولا يتحقق العدوان المقصود في القصاص إلا بهذه الأمور الأربعة:
1 – أن يكون المتهم ممن يتحمل مسئولية أفعاله، أي يجب أن يكون كامل الأهلية، وليس مصاب بعاهة أو آفة في عقلة، وأن يكون حر الإرادة وليس مكره لأن الإكراه يفسد الإرادة.
2 – ألا يكون الفعل بحق، كأن يكون القتل دفاعا عن النفس أو المال أو العرض، أو يكون المال المسروق ملك السارق، أن يكون للفاعل حق فيما أقدم عليه قررته الشريعة الإسلامية وحمته من العدوان عليه، أو يكون فيه شبهة الحق، وشبهة الحق تثبت في أربعة أحوال: شبهة الملك وشبهة الجزئية وشبة الزوجية وشبهة رضا المجني عليه بالجريمة.
3 – وجود علاقة السببية بين الفعل والنتيجة، وتتحقق السببية بثلاثة أمور هم:
( أ ) فعل ترتب عليه جريمة.
(ب) وجود صلة بين الفعل والنتيجة الإجرامية.
(ج) قصد أحداث النتيجة الإجرامية التي حدثت.
4 – أن يتحقق القصد الذي أدي إلي وقوع الجريمة، ويكون ذلك بتعمد أحداثها وقصدها وإرادة حرة مختارة وعلم بالنهي عنها، ففي القتل تزهق الروح أي بالموت.
سادساً - موانع القصاص في القتل
توجد موانع للقصاص في القتل وهي علي تعددها مختلف فيها بين الأئمة المجتهدين، وتتمثل هذه الموانع فيما يأتي:
1 – أن يكون القتيل جزءا من القاتل: يري ذلك كل من أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ويكون القتيل جزءا من القاتل إذا كان ولده، فلا يقتص من الأب بالقتل لقول الرسول صلي الله عليه وسلم( لا يقاد الوالد بولده) وقوله (أنت مالك لأبيك) والحديث الأول صريح في منع القصاص أما الثاني ففيه شبهة تدرأ القصاص وطبقا لقاعدة(درء الحدود بالشبهات) الثابتة في الشريعة الإسلامية، أما الولد فيقتص منه في والده فإذا قتل ولد والده يقتل، حكم الأم كالأب[25]، ويخالف الإمام مالك الفقهاء الثلاثة ويقول بالقصاص هنا كلما انتفت الشبهات[26].
2 – عدم التكافؤ بين المجني عليه والجاني: يشترط مالك والشافعي وأحمد أن يكون المجني عليه مكافئا للجاني، فإذا لم يكن كذلك أمتنع القصاص، ويشترط التكافؤ في المجني عليه لا في الجاني، ويعتبر المجني عليه مكافئا للجاني إذا تساويا في الحرية والإسلام، فلا عبرة بعد ذلك فيما بينهما من فروق أخري، فلا يشترط التساوي في كمال الذات ولا سلامة الأعضاء ولا يشترط التساوي في الشرف والفضائل[27] ولكن أبا حنيفة يخالفهم في ذلك ويري القصاص بين الأحرار والعبيد[28].
3 – الأمر بالقتل: يفرق الفقهاء بين الأمر بالقتل والإكراه، ويأخذون بمنع القصاص في القتل في حالة الإكراه، واختلفوا في حالة الأمر بالقتل، حيث يري مالك والشافعي وأحمد القصاص في الآمر لأنه هو المتسبب في القتل وأن كان المأمور هو الذي قتل ولكنه هنا بمثابة آلة القتل وليس القاتل، ولا يري أبو حنيفة القصاص من الآمر لأنه تسبب في القتل ولم يباشره[29].
4 – الإكراه علي القتل: الإكراه يفسد الإرادة، حيث يري مالك وأحمد والرأي الصحيح عند الشافعية القصاص علي المكره والمكره لأن الحامل المكره تسبب في القتل، ولأن المباشر المكره قتل المجني عليه ظلما [30]، ولكن عند أبي حنيفة ومحمد أن القصاص يجب علي الحامل دون المباشر لقوله صلي الله عليه وسلم ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه)[31].
5 - أن تكون الأداة التي استعملت في القتل مما يقتل به غالبًا: ويدخل في ذلك الإغراق في الماء والخنق والحبس والإلقاء من شاهق والإحراق بالنار، والقتل بالسم، فقد وضعت يهودية السم لرسول (في شاة، فأكل منها لقمة ثم لفظها، وأكل معه بشر بن البراء، فعفا عنها النبي ولم يعاقبها، فلما مات بشر بن البراء قتلها به[32].
ولا يقتل القاتل إلا بعد أن يؤخذ رأى أهل القتيل فيه، فإن طلبوا قتله قتل وكان القتل كفارة له، وإن عفوا عنه عفي عنه. وأخذت منه الدية وهى تقدر بحوالى (4250) جرامًا من الذهب تقريبًا، وعليه الكفارة وهى عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فعليه صوم شهرين متتابعين، قال تعالى((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فأتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدي بعد ذلك فله عذاب أليم))[33].
سابعاً - ما يثبت به القصاص وشروطه
يثبت القصاص باعتراف القاتل، أو بشهادة رجلين يعرف عنهما الصلاح والتقوى وعدم الكذب؛ يشهدان أنهما قد رأيا أو شاهدا القاتل وهو يقتل، ولا تصح شهادة المرأة في القصاص، فلا يشهد على القتل رجل وامرأة أو رجل وامرأتان، وإنما لا بد من أن يكون الشاهدان رجلين، وهذا رأى جمهور الفقهاء، لكن يرى بعض الفقهاء أنه يصح الأخذ بشهادة المرأة في القصاص، فإن ثبت القتل بالشهادة وجب حد القصاص على القاتل، فإن عفا عنه أولياء القتيل أو بعضهم؛ لا يقام عليه الحد، وعليه دفع الدية.
بناء علي ذلك لا يثبت القصاص في القتل إلا بتوافر الشروط التالية:
لا يثبت الحق لأولياء المقتول في القصاص من القاتل إلاّ إذا تمّت الشروط التالية:
الأول: أن يكون القتل بنحو العمد.
الثاني: التساوي في الحرية و العبودية، فيقتل الحر بالحر و العبد بالعبد و لا يقتل الحر بالعبد، بل يغرم قيمته يوم قتله مع تعزيره بالضرب الشديد.
الثالث: التساوي في الدين، فلا يقتل المسلم بالكافر ـ و إن لزم تعزيره فيما إذا لم‏يكن القتل جائزاً ـ بل يغرم ديته لو كان ذمياً.
الرابع: أن لا يكون القاتل أباً للمقتول، فلا يقتل الأب بقتله لابنه، بل يعزر و يلزم بالدية.
الخامس: أن يكون القاتل بالغاً عاقلاً وإلاّ فلا يقتل و تلزم العاقلة بالدية.
السادس: أن يكون المقتول محقون الدم، فلا قصاص في القتل السائغ، كقتل سابِّ النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد الأئمة عليهم ‏السلام أو قتل المهاجم دفاعاً و ما شاكل ذلك.
ثامناً - كيفية تنفيذ القصاص
يقتل القاتل بالطريقة التي قتل بها عند بعض الفقهاء؛ لقوله تعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}[34] وقال بعض الفقهاء: بل يكون القصاص بالسيف.
ما لا يقام فيه قصاص وتحل الدية محله: تتمثل هذه الحالات في الآتي:
1- قطع عضو أحد الناس خطأ دون تعمد.
2- الجروح التي يستحيل فيها التماثل.
3- الجروح التي تقع بالرأس والوجه؛ وهى ما يسمى بـ (الشجاج) إلا إذا كشف الجرح عن العظم فعندئذ يقام القصاص.
4- اللسان وكسر العظم، فلا قصاص فيهما لأنه لا يمكن الاستيفاء أو التماثل بغير ظلم.
تاسعاً - من يُنفِّذ القصاص
القصاص لا يحق لأحد إقامته إلا الحاكم أو من ينوب عنه. فلا يحل لولى القتيل أن يقتل القاتل حتى لا تنتشر الفوضى.
وقد ورد في القرطبي(اِتَّفَقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصّ مِنْ أَحَد حَقّه دُون السُّلْطَان , وَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَقْتَصّ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِسُلْطَانٍ أَوْ مَنْ نَصَّبَهُ السُّلْطَان لِذَلِكَ, وَلِهَذَا جَعَلَ اللَّه السُّلْطَان لِيَقْبِض أَيْدِي النَّاس بَعْضهمْ عَنْ بَعْض .
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ عَلَى السُّلْطَان أَنْ يَقْتَصّ مِنْ نَفْسه إِنْ تَعَدَّى عَلَى أَحَد مِنْ رَعِيَّته , إِذْ هُوَ وَاحِد مِنْهُمْ , وَإِنَّمَا لَهُ مَزِيَّة النَّظَر لَهُمْ كَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيل , وَذَلِكَ لَا يَمْنَع الْقِصَاص , وَلَيْسَ بَيْنهمْ وَبَيْن الْعَامَّة فَرْق فِي أَحْكَام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْره : " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى " , وَثَبَتَ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ شَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلًا قَطَعَ يَده : لَئِنْ كُنْت صَادِقًا لَأ ُقيدَنك مِنْهُ , وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِم شَيْئًا إِذْ أَكَبَّ عَلَيْهِ رَجُل , فَطَعَنَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ , فَصَاحَ الرَّجُل , فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَعَالَ فَاسْتَقِدْ ) قَالَ : بَلْ عَفَوْت يَا رَسُول اللَّه , وَرَوَى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ أَبِي فِرَاس قَالَ : خَطَبَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ : أَلَا مَنْ ظَلَمَهُ أَمِيره فَلْيَرْفَعْ ذَلِكَ إِلَيَّ أُقِيدهُ مِنْهُ , فَقَامَ عَمْرو بْن الْعَاص فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , لَئِنْ أَدَّبَ رَجُل مِنَّا رَجُلًا مِنْ أَهْل رَعِيَّته لَتَقُصَّنهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : كَيْف لَا أَقُصّهُ مِنْهُ وَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُصّ مِنْ نَفْسه , وَلَفْظ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيّ عَنْهُ قَالَ : خَطَبَنَا عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أَبْعَث عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَاركُمْ وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالكُمْ , فَمَنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ أَقُصّهُ مِنْهُ , وَذَكَرَ الْحَدِيث بِمَعْنَاهُ) .
عاشراً - استيفاء القصاص
يشترط لاستيفاء القصاص في ثلاثة شروط هي:
1- أن يكون المستحق له عاقلا بالغًا.
2- أن يتفق أولياء المقتول جميعًا على استيفاء القصاص، فإذا رفض أحدهم سقط القصاص.
3- ألا يتعدى القصاص الجاني إلى غيره، فلا يقتص من حامل حتى تضع حملها، وترضعه إن لم تجد مرضعًا.
أحد عشر - الأسباب العامة لامتناع القصاص
توجد عدة أسباب لو توافر سبب منها امتنع الأخذ بالقصاص وهذه الأسباب منها ما سبق شرحه هي[35]:
1 – إذا كان القتيل جزءا من القاتل، وسبق بيان ذلك في القصاص في النفس.
2 – انعدام التكافؤ بين الجاني والمجني عليه، ينظر إلي التكافؤ من ناحية المجني عليه وحده دون الجاني.
3 – أن يكون الفعل الموجب للقصاص حدث خطأ أو شبه عمد.
4 – أن يكون الفعل الموجب للقصاص تسببا.
5 – أن يكون الفعل الموجب للقصاص وقع في دار الحرب وهذا رأ ى الحنفية وحدهم دون باقي الأئمة.
6 – عدم أمكان الاستيفاء.
إذا توافر أي سبب من الأسباب السالفة يمتنع تنفيذ القصاص، ولكن لا تبرأ ذمة الجاني ويطلق سراحه دون عقاب، فهذه الأسباب ليست أسباب إباحة أي تجعل الفعل إذا التحقت به مباحا، ولكن تظل ذمة الجاني مشغولة بالدية لا تبرأ إلا بدفها أما للمجني عليه فيما دون النفس أو لورثة القتيل في النفس.
أثنا عشر – القصاص في القانون الدولي
بعد أن انتهينا من تبيان القصاص في القانون الجنائي الإسلامي، في محيط الدول أي داخل الدول علي مواطنيها، يمكننا تناول القصاص علي الصعيد الدولي، أي هل يمكن إعمال القصاص بين الدول، كما يطبق بين الأشخاص الطبيعية نتناول هنا إمكانية ذلك من عدمه.
الثابت والمستقر عليه في القانون الدولي العام أن أشخاصه هي الدول علي الإجماع والمنظمات الدولية علي اختلاف بين الفقهاء في القانون الدولي، ولكن غالبية الفقه الدولي يعتبر المنظمات الدولية من أشخاص القانون الدولي العام، كما أن غالبية الفقه الدولي حتى تاريخه لا تقر باعتبار الأشخاص الطبيعيين من أشخاص القانون الدولي العام.
من المستقر عليه في نظرية القانون أن كل قانون هو الذي يحدد أشخاصه المخاطبين بأحكامه، والقانون الدولي قد أختار وحدد كما بينا سلفا، كما أن كل قانون يضع قواعده وأحكامه بصورة تتناسب مع أشخاصه، فقواعد وأحكام القانون الدولي العام تناسب الدول والمنظمات الدولية.
ترتيبا علي ما سبق، يبدو منذ الوهلة الأولي استحالة تطبيق القصاص في القانون الدولي العام علي أشخاصه الدول والمنظمات الدولية، ولكن بنظرة متأنية فاحصة، تبدو المسألة في دائرة الممكن وليس في إطار المستحيل، خاصة وأن قواعد المسئولية الدولية في القانون الدولي في تطور مستمر[36] كما أن القانون الدولي ذاته في توسع وتطور مستمر من حيث الفروع، فقد شملت فروعه مجالات كثيرة، وأصبح الآن فرع من فروعه يطلق عليه القانون الجنائي الدولي أو القانون الدولي الجنائي.
وطبقا لطبيعة القانون الدولي العام فأنه يتعذر تطبيق القصاص في النفي بين الدول إلا في حالات نادرة، خاصة في حكام الدول التي تشن حروبا غير عادلة، ولكن يمكن محاكمتهم كما حدث في محاكمات نورمبرج بعد الحرب العالمية الثانية ويقتص منهم، وتصل العقوبة إلي القتل، وقد أقر ذلك النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو 2002م[37]، فقد نص هذا النظام علي جرائم في المادة (5)وأقرت المادة(25) من هذا النظام اختصاص المحكمة بمحاكمة الأشخاص الطبيعيين الذين يرتكبون الجرائم الدولية المنصوص عليها في المادة الخامسة من النظام.
وبالنظر إلي طبيعة القانون الدولي العام قواعد وأحكام وأشخاص وآليات، قد يتعذر الحكم بالإعدام علي الشخص مرتكب الفعل الموجب للقصاص، لذلك تبقي الدية، وهي ما أخذت به أحكام المسئولية في القانون الدولي المعاصر، تحت مسمي( التعويض المادي)، ويعد هذا التعويض من قبيل الدية، إلا أن الأمر يجب إلا يقتصر في كافة الحالات علي التعويض إلا في حالة استحالة تنفيذ القصاص بالقتل, حتى لا يفلت الجناة من العقاب، خاصة وأن أفعالهم عادة ما يترتب عليها أضرار جسام تطول العديد من الناس، وليكون ذلك رادعا لهم ولغيرهم، كما يتم شفاء غيظ المجني عليهم وهم هنا كثير.
في القانون الدولي العام بعد تطور قواعد وأحكام المسئولية الدولية ونشأة فرع القانون الدولي الجنائي بقواعده وأحكامه فضلا عن انتشار القضاء الجنائي الدولي والقضاء الدولي بعد أنشاء المحكمة الدائمة للعدل الدولي في عهد عصبة الأمم عام1919م، ثم محكمة العدل الدولية في ميثاق الأمم المتحدة عام 1945م، وأخيرا المحكمة الجنائية الدولية عام 2002م، وإنشاء العديد من المحاكم الخاصة ثم محكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية 1945م ومحاكم نورمبرج ومحاكم مجرمي يوغوسلافيا ورورندا.
وأن نظام المسئولية الدولية في القانون الدولي العام وأن كان لم يأخذ بالقصاص كمصطلح إلا أنه أخذ به كمضمون في التعويض عن الأفعال التي تشكل جرائم دولية في القانون الدولي العام.
وفي النهاية يمكننا القول أن القانون الدولي قد أخذ بنظام القصاص مضمونا بالحكم بالتعويض سواء علي الأشخاص الطبيعيين الذين يرتكبون الجرائم الدولية، أو علي الدول كأشخاص دولية، وكذلك علي المنظمات الدولية، فقد تحكم المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية علي دولة أو منظمة دولية كشخص من أشخاص القانون الدولي بالتعويض عما ارتكبا من أفعال تشكل جرائم دولية سببت ضررا لأحدي الدول أو المنظمات الدولية أو للأشخاص الطبيعيين مواطني الدولة المعتدي عليها.
خاتمة
في صفحات ليست بالقليلة، ولا بالكثيرة، بينا فلسفة التشريع الجنائي الإسلامي، وركزنا بحثنا هذا علي أساس من أسس التشريع الجنائي الإسلامي وهو (القصاص) فقد بيناه من ألفه إلي يائه، من التعريف والأنواع والمضمون والأحكام والحكمة منه والشروط والموانع، فقد بينا مدي الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ).
وانتهينا إلي أن أوجه الإعجاز فيها متعددة فهي تحفظ الحياة وتمنع الجريمة وتبعث في المجتمع الأمن والأمان والطمأنينة، وتجعل الحياة هادئة مستقرة، وفندنا حجج المبطلين الذين لا يريدون أن يتحاكموا إلي الطواغيت دون شرع الله سبحانه وتعالي، ورددنا شبهات ودحضنا مفتريات تثار ضد التشريع الجنائي الإسلامي.
ولم يقتصر الأمر علي القانون الجنائي الوطني، بل تطرقنا إلي القصاص في القانون الدولي العام، وانتهينا إلي وجوده في القانون الدولي العام بعد تطور قواعد وأحكام المسئولية الدولية ونشأة فرع القانون الدولي الجنائي بقواعده وأحكامه فضلا عن انتشار القضاء الجنائي الدولي والقضاء الدولي بعد أنشاء المحكمة الدولية للعدل الدولي في عهد عصبة الأمم ثم محكمة العدل الدولية في ميثاق الأمم المتحدة وأخيرا المحكمة الجنائية الدولية عام 2002م، وإنشاء العديد من المحاكم الخاصة ثم محكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية محاكم نورمبرج ومحاكم مجرمي يوغوسلافيا ورورندا.
وكان مما وصلنا إليه في نهاية الدراسة وجوب الأخذ بتشريع الله سبحانه وتعالي علي كافة الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية، خاصة التشريع الجنائي الإسلامي حتى يسود الأمن والأمان ويستقر الأمن والسلم الدوليين.

masrawy27
04-06-2008, 12:52 PM
نظرية الحرب في الإسلام


عرفت الإنسانية الحرب على مر الدهور وكر العصور, فالحرب ضرورة إنسانية واجتماعية, فكانت سنوات الحرب في تاريخ البشرية أكثر من سنوات السلام, فعلى مدى خمسة آلاف سنة حدثت (14555) حربا تسببت في موت (25) مليار إنسان تقريبا, وعلى مدى أل(3400)سنة الأخيرة من حياة البشرية لم تنعم البشرية إلا بمائتين وخمسين سنة سلام فقط

وفى إحصاء أخر فأن البشرية شهدت (213) سنة حرب مقابل سنة واحدة سلام, وأنه خلال (185) جيلا, لم ينعم بسلم مؤقت, إلا عشرة أجيال فقط. فمنذ الحرب العالمية في القرن العشرين, شهد العالم ما يقرب من مائتين وخمسين نزاعا مسلحا دوليا وداخليا بلغ عدد ضحاياها (170) مليون شخص, أي يحدث كل خمس شهور تقريبا نزاعا مسلحا, ينتج عنه خسائر في الأرواح والممتلكات والمعدات (د/سعيد جويلى المدخل لدراسة القانون الدولي الانسانى, القاهرة, 2003, المقدمة ص 1)

ولقد حرصت على وضع نظرية الإسلام في الحرب حتى يدرك المرجفون ــ أن الإسلام لم يتأخر في يوم من الأيام عن ركب الحضارة ــ بل أن أبناء الإسلام هم الذين علموا أوروبا الحضارة والرقي والتقدم، وقد شهد بذلك الأعداء قبل الأصدقاء, ولكن يكفينا شهادة الله ــ سبحانه وتعالى ــ لهذه الأمة حيث قال تعالى في كتابه الكريم (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)

نظرية الحرب في الشريعة الإسلامية

لقد تنبه علماء القانون الغربيين لعظمة الشريعة الإسلامية ومعرفتها الدقيقة بحاجات المجتمعات منذ وقت بعيد، وتوالت كتاباتهم وتعالت صيحاتهم للإشادة بالقوانين المستمدة من الإسلام، فقد تم الاعتراف بالشريعة الإسلامية كمصدر عالمي للتشريع والقانون في عدد من المؤتمرات الدولية العلمية منذ عام (1932م) منها:

1- القانون المقارن الدولي في لاهاي عام 1932م.

2- مؤتمر لاهاي المنعقد في عام 1937م.

3- مؤتمر القانون المقارن في لاهاي 1938م.

4- المؤتمر الدولي عام 1945م بواشنطن.

- شعبة الحقوق بالمجمع الدولي للقانون المقارن 1951م بباريس.

وقد صدرت عن هذه المؤتمرة قرارات هامة هي:

أ- اعتبار التشريع الإسلامي مصدرًا رابعًا لمقارنة الشرائع.

ب- الشريعة الإسلامية قائمة بذاتها لا تمت إلى القانون الروماني أو إلى أي شريعة أخرى.

ج- صلاحية الفقه الإسلامي لجميع الأزمنة والأمكنة.

د- تمثيل الشريعة الإسلامية في القضاء الدولي ومحكمة العدل الدولية.

وفي مؤتمر لاهاي للقانون المقارن لعام (1932م) أشار الفقيه الفرنسي (لأمبير) إلى ظاهرة التقدير الكبير الذي بدأ يسود بين فقهاء أوروبا وأمريكا في العصر الحاضر فقال: (ولكني لا أرجع إلى الشريعة "يقصد الشريعة الإسلامية" لأثبت صحة ما أقول، ففي هذه الشريعة عناصر لو تولتها يد الصياغة فأحسنت صياغتها، لصنعت منها نظريات ومبادئ لا تقل في الرقي والشمول وفي مسايرة التطور عن أخطر النظريات الفقهية التي تتلقاها عن الفقه الغربي اليوم، وفي مقدمة هذا نظرية التعسف في استعمال ونظرية الظروف الطارئة ونظرية تحمل التبعية ومسئولية عدم التمييز، فإن كل من هذه النظريات أساسًا من الشريعة الإسلامية لا تحتاج إلا إلى الصياغة والبناء) [1].

وقد أقر جوستاف لبون في كتابه حضارة العرب بفضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية فقال: (كان تأثير العرب "يقصد المسلمين" في الغرب عظيمًا وإليهم يرجع الفضل في حضارة أوروبا).

http://www.55a.net/firas/ar_photo/5/300px-Higueruela.jpg

إضافة إلى ما سبق فإن هناك فقهاء غربيين أقروا بفضل الإسلام على القانون الدولي العام قواعد وأحكام منهم "فيتو ريا وسو ارس"، ومن هؤلاء أيضًا البارون "ميشيل دي توب" أستاذ القانون الدولي بمعهد الدراسات الدولية بلاهاي بهولندا حيث ذكر الكثير من القواعد والأحكام سبق الإسلام بها القانون الدولي وعلى الأخص في نظم الحرب، وأورد وصية أبي بكر لجنوده، وذلك في الجزء الأول من مجموعة دراسات سنة 1926م لأكاديمية القانون الدولي، كما أورد الأوامر التي أصدرها في قرطبة الخليفة الحاكم بن عبد الرحمن في هذا الشأن سنة 963م، أي قبل أن تعمل الكنيسة البابوية للسلام، ومنهم أيضًا المؤرخ (سيد يو ) في كتابه تاريخ العرب ص 152، حيث عدد الكثير من فضل الإسلام على الحضارة الغربية، وعلى الأخص في القانون الدولي، حيث عدد ما ذكره البارون "دي توب" أضاف: (وهذه هي مختلف القواعد الشرعية الإسلامية التي عمل لها لتخفيف وطأة الحروب من القرن السابع إلى القرن الثالث عشر للميلاد، فهي إذن أسبق بأمد طويل على الأفكار والمبادئ القانونية المماثلة والتي بدأت تشق طريقها خلال الهمجية التي استولت على الحياة الدولية الأوروبية خلال القرن الثالث عشر مما يدل على أثر القواعد الإسلامية في القانون الدولي الأوروبي[2].

ومما يدل على أسبقية وأفضلية الشريعة الإسلامية في مجال القانون الدولي عامة والقانون الدولي الإنساني خاصة، أن الفقيه المسلم محمد بن الحسن الشيباني أعتبر المؤسس الأول لهذا العلم "قانون الحرب"، أي القانون الدولي الإنساني [3]، وتكريمًا له فقد أنشئت في ألمانيا جمعية باسمه.

أفاض فقهاء الشريعة الإسلامية في كتب السير وكتب الجهاد، لشرح وبيان قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني الواردة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والسيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدون ومن تبعهم وسار على نهجهم.

فأولى هذه القواعد، حماية النفس الإنسانية، أو حق الحياة، فالإسلام الشريعة الوحيدة التي أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أهمية هذا الحق فقد حرص الإسلام على النفس الإنسانية وحماها دون غيره من الملل والنحل والقوانين، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم في سورة المائدة الآية (32):

(من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفسا أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم ر سلنا بالبينات ثم أن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون)

وفي آية أخرى جعل من صفات عباده الصالحين أنهم:

(والذين لا يدعون مع الله آلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلقى آثاما ) سورة الفرقان: 68

وقد تعدد الأحاديث النبوية التي طالبت المؤمنين باحترام النفس الإنسانية وحمايتها، فقد قال صلى الله عليه وسلم عن قتل النفس أنها من الكبائر (الإشراك بالله، وقتل النفس)، وقال أيضًا (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا).

والقتال في الإسلام شرع أساسًا لرد الاعتداء، فقال تعالى في سورة البقرة الآية 190-191(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين, واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل)

ودليل ذلك أيضًا، أن القرآن الكريم نهى عن قتال غير المعتدين فقال تعالى.

وقد أقر القرآن الكريم للمسلمين بحق الدفاع الشرعي الذي لم تعرفه البشرية إلا حديثًا فقال تعالى في سورة البقرة الآيات 190 - 194 ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين, واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين, فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم, وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين, الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما أعتدي عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين)

كما أباح الإسلام الحرب ردًا على الظلم الذي يقع عليهم فقال تعالى في (سورة الحج39ــ 40)(أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير, الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها أسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره أن الله لقوى عزيز).

كما قال تعالى (سورة النحل: 126).(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين)

وقد أباح الإسلام الحرب عقوبة الخيانة ونقض العهد للاتفاقيات التي تعقدها الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى، فقال تعالى: (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون, الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون, فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون) (سورة الأنفال: 55: 58).

كما قال تعالى في (سورة التوبة: 10: 14).(لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون, فأن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون, وإن نكتوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون, إلا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه أن كنتم مؤمنين, قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)

وقد أباح الإسلام الحرب لنصرة المظلوم فقال تعالى (النساء: 75)

( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا آخر جنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك وليا وأجعل لنا من لدنك نصيرا)

كما قال تعالى: في (سورة الأنفال: 72 -73).(أن الذين أمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين أمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم شيء حتى يهاجروا وأن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ألا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير, والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ألا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)

أمر الإسلام أتباعه بالاستعداد وليس الاعتداء فأمرهم بعمل جيش قوي فيه القوة بكافة ما استطاعوا من أسلحة فقال تعالى (الأنفال: 60).(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف أليكم وانتم لا تظلمون )

في حديثين للرسول صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب و لمعاد بن جبل فقال لهما في غزوتين مختلفتين (لا تقاتلوهم حتى تدعوهم للإيمان، فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم ويقتلوا منكم قتيلاً، ثم أروهم هذا القتيل وقولوا لهم هل لكم خيرًا من ذلك بأن تقولوا لا إله إلا الله... فلأن يهدي الله على يديك رجلاً واحدًا خيرًا لك مما طلعت عليه الشمس وغربت).

هكذا عرف الإسلام مبدأ إعلان الحرب قبل القتال، وهو المبدأ الذي لم يعرفه القانون الدولي العام الوضعي إلا في عام (1907م) في مؤتمر لاهاي الثاني، وقد أعلن هذا البارون ميتشيل دي توب في كتابه سالف الذكر حيث أورد (أنه وجد مبدأ إعلان الحرب في كتابات الفقهاء المسلمين مثل الحسن البصري البغدادي والماوردي، واستمر يقول أتعس الأوقات في أوروبا فقد غشيها الفوضى الإقطاعية...) ولأن البشرية في القرن العاشر الميلادي كانت يائسة، وقال (لقد ساعد العالم الإسلامي في سبيل إفراغ الإنسانية الصحيحة على البشرية البائسة مساعدة يجب أن يُنظر إليها بعين التقدير السامي باعتبارها أسمى مما تم في أوروبا الرومانية والجرمانية والبيزنطية خلال القرون الوسطي، ولقد استفاد العالم الأوربي من الإسلام فوائد جمة مترامية المحيط).

ولقد كان للإسلام فضل السبق في التمييز بين المقاتلين وغيرهم من المدنيين الذين لا يقاتلون، الذي يتباهى الغرب قولاً لا عملاً بأنه يطبقها ولكنه يقننها فقط سرقة من الفكر الإسلامي.

ففي وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لقادة الجيش في كافة الغزوات قال (انطلقوا باسم الله وعلى بركة رسوله لا تقتلوا شيخًا ولا طفلاً ولا صغيرًا ولا امرأة ولا تغلوا "أي لا تخونوا"، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، كما نهى صلى الله عليه وسلم عن المثله أي التمثيل بالجثث فقال: (إياكم والمثله ولو بالكلب العقور)، وقال أيضًا: (لا تقتلوا ذرية ولا عسيفًا، ولا تقتلوا أصحاب الصوامع).

وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات امرأة مقتولة فغضب وقال (ما كانت هذه تقاتل أو لتقاتل) صدق من سماك الرءوف الرحيم وصلى الله عليك وسلم.

و أبو بكر الصديق أول خليفة للمسلمين يوصي أمير أول بعثة حربية في عهده أسامة بن زيد فيقول: (لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدورا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة ولا تقطعوا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة وسوف تمرون على قوم فرَّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له).

وفي وصيته لأميره على الجيش المتوجه غلى الشام أبو بكر يزيد بن أبي سفيان زاد عما سبق (ولا تقاتل مجروحًا فإن بعضه ليس منه، أقلل من الكلام فإن لك ما وعي عنك، وأقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سرائرهم ولا تحبس عسكرك فتفضحه ولا تهمله فتفسده، وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه).

وكان الخليفة عمر بن الخطاب يوصي قائده على الجيش فيقول: (بسم الله على عون الله أمضوا بتأييد الله ولكم النصر بلزوم الحرب والصبر، قاتلوا ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة ولا تسرفوا عند الظهور ولا تقتلوا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا وتوقوا قتلهم إذا التقى الفرسان وعند جمة النبضات وفي سن الغارات نزهو الجهاد عن عرض الدنيا وابشروا بالرياح في البيع الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم).

هذه الوصايا في آداب الجهاد (الحرب) أسمى وأكمل وأبر وأرحم من كل ما يحتوي عليه تشريع البشر ولا يدانيها ما وصلت إليه قواعد القانون الدولي الحديث عامة والقانون الدولي الإنساني خاصة، ولا حتى آمال الفقهاء والكتاب فيه (علي منصور، السابق، ص305).

أين ذلك مما يحدث في فلسطين منذ أكثر من نصف قرن وأفغانستان والعراق والشيشان؟ باسم أي شيء يتم تدمير البيوت على رؤوس أصحابها الشيوخ والأطفال والنساء باسم الديمقراطية والإصلاح ملعونان هما وكل من ينادي بهما.

فليقرأ المرجفون والمارينز العرب هذه الوصايا حتى يدركوا أنهم باعوا الآخرة بدنيا زائفة رخيصة لا تساوي جناح بعوضة، فليرفع فقهاء المسلمين في القانون الدولي رؤوسهم عالية ويقولون للغرب وفقهاءه هذا ديننا ينطق بالحق منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا شرع وصاغ ونفذ ما لم تصلوا إليه في قرن الحضارة وحقوق الإنسان.

وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الإحراق بالنار فقال: (لا ينبغي أن يضرب بالنار إلا رب النار) رواه أبو داوود والدار مي.

وقد وضع الإسلام منهاجًا في معاملة الأسرى جوهره التكريم والمحافظة على كرامة الأسير والمحافظة على حياته فقد وردت آيات كثيرة في القرآن تحض على تكريم الأسير وهي: (البقرة: 85).فقال تعالى

(ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وان يأتوكم أساري تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ألا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ).

http://www.55a.net/firas/ar_photo/8/888787.jpg

وفى سورة (الأنفال: 67، 68). قال تعالى ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم, لولا كتاب من الله سبق لمسكم في ما آخذتم عذاب عظيم) .

ثم في سورة (الأنفال: 71,70). فقال تعالى ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى أن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم, وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم).

وفى سورة (محمد:الآية 4).قال تعالى ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوكم بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ).

.. وفى سورة (الإنسان: 8). قال تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) .

وفى سورة (البلد: 12، 13).قال تعالى (وما أدريك ما العقبة, فك رقبة) .

أما سنة الرسول صلى الله عليه وسلم القوليه والعملية والتقريرية فكثيرة جدًا تحتاج إلى مجلدات ونكتفي هنا بالإشارة إلى أهمها منها قوله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالأسرى خيرًا) أخرجه الطبراني في الصغير (جـ 1، 250).

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إلحاق الأذى بالأسرى فعن صهيب أن أبا بكر مر بأسير له يستأمن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهيب جالس في المسجد فقال لأبي بكر من هذا الذي معك؟ قال: أسير لي من المشركين أستأمن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صهيب: لقد كان في عنق هذا موضع للسيف، فغضب أبو بكر، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال مالي أراك غضبان؟ قال مررت بأسيري هذا على صهيب، فقال: لقد كان في رقبة هذا موضع السيف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلعلك آذيته، فقال: لا والله، فقال: (لو آذيته لآذيت الله ورسوله). (أخرجه الطبراني في الكبير جـ 8، ص 36) [4].

وتتلخص نظرية الإسلام في الأسرى في عناصر ثلاثة هم:

1- حسن المعاملة حتى يُبت في أمرهم.

2- المن "إطلاق سراحهم" والفداء "الفدية" لمن يرجى منهم الخير.

3- القتل لمجرمي الحرب.

أين ذلك مما يحدث في سجن جوانتانامو وأبو غريب أو في فلسطين وأفغانستان والعراق والشيشان؟!.أو في سجون بعض الدول الأخرى.

أين حقوق الإنسان من كل ما يحدث؟.

حتى القتلى في الإسلام لهم حقوق فيدفن قتلى الكفار في المعارك ولا يُتركوا في الشوارع حتى تأكل منهم الحيوانات كما حدث في العراق وأفغانستان.

هذا قليل من كثير ونقطة من محيط الإسلام الواسع حتى يتبين الرشد من الغي والحق من الضلال وحضارتنا من حضارتهم، وليفهم كل ذي عقل ولب.

نظرية الحرب في القانون الدولي المعاصر

لقد تأخر القانون الدولي المعاصر كثير بالأخذ بالضوابط الموجودة في الشريعة الإسلامية, حيث أنه بدأ في القرن الماضي الأخذ بهذه الضوابط بعد أن ذاقت البشرية مرارة حروب قتل فيها الملايين من الناس وتهدمت بيوت ومدن بل وبلاد كثيرة على رؤوس أصحابها بدعوى المدنية والحضارة ولم يترك العالم الغربي نقيصة إلا وأرتكبها حتى بعد أقرار ضوابط للحرب خاصة في معاهدات جنيف الأربعة عام 1949والبرتوكولين الإضافيين لهما عام 1977 ظلت حبرا على ورق.

اتفاقية جنيف الأول: لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان

· اتفاقية جنيف الثانية:لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار

· اتفاقية جنيف الثالثة:بشأن معاملة أسرى الحرب

· اتفاقية جنيف الرابعة:بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب

· البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف المعقودة في 12 آب 1949 والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية لعام 1977.

· البروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف المتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية لعام 1977.

أمام ضعف وفشل هذه الاتفاقيات والتي لم تطبقها الدول ولم تلتزم بها خاصة وأن هذه الاتفاقيات رضائيه أي تخضع من حيث الالتزام بها إلى أرادة الإطراف فيها فلا يلتزم بها إلا الموقعين عليها حتى هؤلاء لا يوجد ما يجبرهم على احترامها, لغياب السلطة التي تسهر على تطبيق قواعد وأحكام القانون الدولي كما هو الحال في القانون الداخلي, كما الضوابط الواردة في هذه الاتفاقيات وغيرها من قواعد وأحكام القانون الدولي الانسانى لم تصل لا في درجتها ولا رقيها إلى المستوى الذي وصلت إليه الشريعة الإسلامية منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان, فضلا عن أن قواعد الإسلام يلتزم بها كل المسلمين خلفاء وقادة وجنود, فقد عزل الخليفة عمر بن الخطاب قائد جيوشه _ رغم كثرة الانتصارات العظيمة التي حققها_ وقال (أن سيف خالد فيه رهقا) أي أن سبب عزله كثرة القتل, رغم كثرة الانتصارات.(أبو زهرة, حقوق الأسرى في الإسلام, القاهرة, 2005)

كما أخذ القانون الدولي الوضعي حقبة طويلة جدا من الزمن حتى يصل إلى بعض المبادىء السامية التي وصل إليها الإسلام منذ عدة قرون, فقد كان القانون الدولي لا يطبق الضوابط التي وصل إليها في القرن العشرين على كافة النزاعات المسلحة فقد أنتقل من نظرية الحرب التي كانت تشترط
شروط حتى يطبق القانون الدولي على هذه الحروب, وتتمثل هذه الشروط في وجوب إعلان الحرب من قبل الدول رسميا, ثم أن تكون هذه الحرب بين دول يعترف بها القانون الدولي, وأن يشنها أمير البلاد, والحرب التي تفقد شرط من هذه الشروط تخرج من نطاق القانون الدولي ولا تخضع لأحكامه وقواعده, مما جعلها أكثر شراسة من غيرها. إلى نظرية النزاع المسلح والتي أخذت في الاعتبار قيام نزاع مسلح لا يشترط فيه ما سبق من شروط, بل يكفى قيام هذا النزاع المسلح بين دولتين أو حتى داخل الدولة الواحدة عبر العديد من القرون التي كلفت البشرية ملايين القتلى والجرحى فضلا عن الخراب والدمار الذي أصابها, (د/زكريا حسين عزمي, من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح, دراسة في حماية المدنيين في النزاعات المسلحة, رسالة دكتوراه, حقوق القاهرة 1978) فقد كانت القواعد البسيطة المطبقة في الحروب لا تحترم فقد أعطى القانون الدولي الدول الحق في استعمال كافة الوسائل التي تنهى على الخصم ولم يضع إلا القليل النادر من الضوابط التي لم تحترم من الدول, فكان كل شيء مباح في الحرب.

والقانون الدولي لم يخضع النزاعات المسلحة الداخلية أي غير ذات الطابع الدول إلى التنظيم ووضع الضوابط ا لا في القرن العشرين, وحتى هذه الضوابط لم تصل إلى الضوابط الواردة في الشريعة الإسلامية, (د/رقية عواشرية, حماية المدنيين في النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي, رسالة دكتوراه, حقوق عين شمس 2002)

ولم يحرم القانون الدولي المعاصر صراحة الحرب إلا في ميثاق الأمم المتحدة في نص المادة (2/4) التي نصت على أن (يمتنع أعضاء الهيئة عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة).

والحرب الدفاعية التي أقرها الإسلام, لم يصل إليها القانون الدولي المعاصر إلا من خلال ميثاق الأمم المتحدة في المادة (51)والتي نصت على أن:

(ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالا لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس -بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمدة من أحكام هذا الميثاق- من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه)

أما الحرب الجماعية ( الدفاع الشرعي الجماعي) ضد المعتدى والتي لم يعرفها القانون الدولي إلا من خلال ميثاق الأمم المتحدة والتي نص عليها في ثنايا مواده خاصة المادة (51 ) والفصل السابع من الميثاق.فقد عرفتها الشريعة

الإسلامية عرفت هذا النظام (الدفاع الشرعي الجماعي) منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان كلفت البشرية مليارات القتلى والحرج فضلا عن الخراب والدمار في الآية الكريمة (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) فأمر القتال صادر في هذه الآية بصيغة الجمع في لفظ ( فقاتلوا) أي أن النداء موجه للمؤمنين كافة وهو شرط كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل وليس فرض عين.

مما سبق يتبين مدى الإعجاز العلمي والتقدم التشريعي للشريعة الإسلامية من حيث الصياغة أي بلغة القانون تتميز الشريعة الإسلامية عن التشريع الوضعي في كل من الشكل( الإجراءات) والموضوع (المضمون) فالقواعد القانونية الواردة في القانون الدولي المعاصر قاصرة من حيث المضمون والإجراءات, أما القواعد التشريعية الواردة في الشريعة الإسلامية سواء في القرآن الكريم أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو سنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعده وكذلك كافة أولى الأمر من المسلمين على مر الدهور وكر العصور, مما يدحض ادعاءات الغرب في أن الإسلام دين الإرهاب

masrawy27
04-06-2008, 02:03 PM
أضرار الميسر بين الشريعة والحياة

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1181273254roulette.jpg

تعريف الميسر:

يقول المناطقة إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وعليه فأول ما يجب علينا في معرض الكلام عن الميسر هو أن نذكر تعريف الميسر حتى ندرك حقيقته ونميز أنواعه المختلفة، وما يدخل في حكمه وما لا يدخل مما يستجد من معاملات وتحدث من تصرفات.

هناك تعريفات كثيرة ومتنوعة عن العلماء للميسر، وهذه بعضها:

1- قول بن عمر وبن عباس رضي الله عنهم ( الميسر هو القمار ) [1].

2- قول الزهري عن الأعرج( الميسر هو الضرب بالقداح على الأموال والثمار)[2].

3- قول القاسم بن محمد( كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر ) [3].

4- قول ابن سيرين ( كل لعب فيه قمار من شرب أو صياح أو قيام فهو من الميسر) [4].

5- قول السعدي ( هو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين من النرد والشطرنج، وكل مغالبة قولية أو فعلية بعوض ) [5].

6- قول الشيخ يوسف القرضاوي ( هو كل ما لا يخلوا اللاعب فيه من ربح أو خسارة ) [6].

وهذه التعريفات الاصطلاحية للميسر من علماء الإسلام من السلف والخلف - رحمهم الله - كلها صحيحة إن شاء الله، غير أنها تبدو من تنوعها مختلفة أو متباينة، والحقيقة أنها غير متباينة فكلهم قد عرف الميسر إما بذكر مرادف له كما فعل من عرفه بالقمار، أو بذكر نوع من أنواعه كالضرب بالقداح على الأموال والثمار، أو بذكر بعض لوازمه ونتائجه كذكر الشرب والصياح وغيرهما مما يصحب الميسر من الملهيات عن الذكر والصلاة، أو بذكر ماهيته كما هو في تعريف كل من السعدي والقرضاوي.

الميسر في العصر الحديث:

وفي عصرنا الحديث تنوعت آلات الميسر وتعددت صنوفها حتى فاقت الحصر أو كاد، وقد تفاقم الأمر مع تطور وسائل الإعلام والاتصال، فخاطر الناس وتغالبوا في المبارات الرياضية بين الفرق، وعبر الشبكة العالمية ( الإنترنت )، ورسائل الجوال القصيرة، والمسابقات في القنوات التلفزيونية والإذاعية، وربما سموها ألعابا أو جوائز أو غيرها من الأسماء اللامعة، وهي لا تغير من حقيقتها شيئا.

فكل ذلك من الميسر والقمار المحرم شرعاً، إذ توفرت فيها كل أركان الميسر.

أركان الميسر:

ـ لاعبين:هما المشارك أو المشاركون في اللعبة أو المسابقة من جهة، والمنظم للعبة أو المسابقة من جهة أخرى وقد يكون شخصا واحدا أو شركة.

ـ ومن آلة الميسر:وهي المسابقة أو اللعبة مثل مباراة رياضية بين فريقين، أو سباق بين خيول، أو مصارعة بين رجلين، أو إرسال رسالة قصيرة من الهاتف الجوال إلى الرقم الفلاني تتضمن كلمة معينة ثم تتم القرعة بين المرسلين فمن خرج سهمه كان هو الفائز.

ـ ومن المال: الذي يياسر به الطرفان وهو ما يشتريه اللاعب من أوراق، أو تكلفة المكالمة الهاتفية من جهة اللاعب المتصل، أو تكلفة الرسالة القصيرة التي يرسلها، وما ينفقه الشخص أو الشركة المنظمة للعبة أو المسابقة من أموال يدفعها إلى شركات الاتصال أو وسائل الإعلام.

ـ ونتيجة اللعبة:التي لا بد أن تكون خسارة أو ربحا كنتيجة كل أنواع الميسر القديمة والحديثة، ومما يميز الميسر في عصرنا الحديث أن الخاسر دائما هو جهة واحدة وهي الأضعف وهو من يجمع دراهمه ودنانيره من الفقراء و المساكين ومن أصحاب الدخل المتوسط، ويخدعون بتخصيص نزر يسير مما جمع من أموالهم ليدفع إلى واحد أو إثنين منهم، فيصدقون بعقولهم العفنة أن ذلك فائز !!!، أما الشخص المنظم للعبة أو المسابقة فلن يخسر شيئا بحال من الأحوال، إلا ما يخسره من دينه وذلك شر الخسائر قال تعالى { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين }.

حكم الميسر في الشريعة الإسلامية:

( إن الإسلام يريد من المسلم أن يتبع سنن الله في اكتساب المال، وأن يطلب النتائج من مقدماتها، ويأتي البيوت من أبوابها، والقمار يجعل الإنسان يعتمد على الحظ والصدفة والأماني الفارغة، لا على العمل والجد واحترام الأسباب التي وضعها الله وأمر باتخاذها.

والإسلام يجعل لمال الإنسان حرمة فلا يجوز أخذه منه إلا عن طريقة مبادلة مشروعة، أو عن طيب نفس منه بهبة أو صدقة، أما ما أخذ بالقمار فهو من أكل المال بالباطل )[7].

وقد دل على حرمة الميسر نصوص من القرآن والسنة.

ومن الأدلة القاضية بتحريم الميسر من القرآن:

1- قوله تعالى { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } [8]وهذه الآية وإن لم تصرح بتحريم الخمر والميسر ففيها تمهيد للنهي عنها، بل إن بعض الصحابة قد أقلع عن الشرب بمجرد نزول هذه الآية، ويفهم من ذلك أنه لو كان من متعاطي الميسر فيتركه كما ترك الخمر، قال ابن كثير رحمه الله تعالى ( ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر لما قرئت عليهم اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا حتى نزل التصريح بتحريمه في سورة المائدة... ) [9]. ومن القواعد الشرعية أن ما زادت مفسدته على مصلحته حرمت، ومفسدة الميسر لا شك أنها أكثر من مصلحته بنص القرآن الكريم.

2- قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } [10].

ففي الآية الكريمة من صيغ التحريم وصف الميسر بأنه: { رجس من عمل الشيطان} مما يدل على تحريمه وأنه من الكبائر، والرجس وصف لكل الأعيان الخبيثة خبثا معنويا أو ماديا قال تعالى عن المأكولات الخبيثة { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به } [11]وقال سبحانه عن الخبثاء من الناس { سيحلفون لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم إنهم رجس } [12]و سمى عذابه رجسا فقال{ قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } [13]، وكذلك الأمر باجتنابه في قوله تعالى {فاجتنبوه } واجتناب الشيء هو التباعد عنه بأن تكون في غير الجانب الذي هو فيه [14]، ومن اجتنب شيئا وابتعد منه لم يتعاطاه , ومن صيغ تحريم الميسر أيضا الأمر بالانتهاء منه { فهل أنتم منتهون } قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله ( فهو أبلغ في الزجر من صيغة الأمر التي هي: انتهوا... ) [15].

3- قوله تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } [16]قال السعدي رحمه الله ( ولا تأكلوا أموالكم أي أموال غيركم أضافه إليهم لأنه ينبغي على المسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله، ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة... ) [17]ثم ذكر نوعي أكل أموال الناس الحق والباطل فعلق على النوع الأخير بقوله ( فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه حتى ولو حصل فيه النزاع وحصل الارتفاع إلى حاكم الشرع وأدلى من يريد أكلها (الأموال ) بالباطل بحجة غلبت حجة المحق وحكم له الحاكم بذلك فإن حكم الحاكم لا يبيح محرما و لا يحلل حراماً، إنما يحكم على نحو ما يسمع، و إلا فإن حقائق الأمور باقية فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة ولا شبهة ولا استراحة... ) [18].

قلت: وهذا في حالة ما لم يكن الحاكم هو الداعي إلى ما يتم بواسطته أكل أموال الناس بالباطل من صور الميسر المنظم، التي تسخر له جميع الإمكانيات الدستورية والإعلامية وغيرها حتى قد يخيل للعوام أنه أصبح من الجائز كسائر أنواع المعاوضات

وأما الأدلة على تحريم الميسر من السنة فمنها ما يلي:

1- عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه ) [19]قال الإمام النووي رحمه الله تعالى ( قال العلماء النردشير هو النرد وشير معناه حلو، وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا يكره ولا يحرم، وأما الشنطرنج فمذهبنا أنه مكروه وليس بحرام وهو مروي عن جماعة من التابعين، وقال مالك وأحمد حرام قال مالك هو شر من النرد وألهى عن الخير، وأصحابنا يمنعون القياس ويقولون هو دونه، ومعنى ( صبغ يده في لحم خنزير ودمه ) في حال أكله وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما والله أعلم [20]، ولا شك أن موضع الخلاف بين الأئمة هو الآلات المختلفة من نرد أو شطرنج وغيرهما من الملهيات، وليس فيما يخالطه من المغالبة بمال ونحوه فإن ذلك محرم بنص القرآن ولم ينقل عن أحد من الأئمة القول بجوازه والله أعلم.

2- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ) [21]. وذكر الزرقاني من أسباب تحريمه وكونه معصية لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن أول من وضعه هو سابور بن أردشير وفعله إتباع لسنة المجوس المنهي عن إتباعها [22].

3- ما رواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله حرم عليكم الخمر والميسر والكوبة ) [23]والحديث تأكيد لما ورد في سورة البقرة و سورة المائدة من تحريم الميسر، والكوبة هي الطبل، وقيل هي النرد وقيل الشطرنج.[24]

تنبيه و تفصيل:

نود أن ننبه إلى أن الميسر هو كما قال السعدي ( هو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين من النرد والشطرنج، وكل مغالبة قولية أو فعلية بعوض ) [25]أو كما عرف الشيخ يوسف القرضاوي ( هو كل ما لا يخلوا اللاعب فيه من ربح أو خسارة ) أيا كان نوع ذلك الميسر أو آلته، إذ العبرة كما يقول الأصوليون بالحقائق والمعاني وليس بالألفاظ والمباني.

ثم إن الخلاف الذي يحكى عن العلماء في تحريمه أو كراهته أو حتى إباحة بعض صوره تابع لدخول الصورة المسئول عنها في الميسر أو عدم دخوله، ووجود بعض علل التحريم في الصورة كالإلهاء عن ذكر الله وعن الصلاة أو ضياع الوقت ونحوها أو عدمه، فما كان فيه مخاطرة أو خسارة وربح فهو محرم، وما سلم من ذلك وألهى عن ذكر الله وعن الصلاة وأدى العداوة والبغضاء حرم لذلك، وأما ليس من الأول ولا من الثاني من أنواع الألعاب والمغالبات تردد بين الإباحة والكراهة.

أضرار الميسر الدينية والدنيوية:

أن التعرف على الحكم التشريعية فيما يأمر به الإسلام أو ينهى عنه لاسيما فيما يتعلق بأمور المعاملات لمما ينشط على الالتزام بشرع الله ويعين عن الانقياد له , ولذلك عودنا الشارع الحكيم الإشارة إلى بعض تلك الحكم، ومن ذلك ما نص الله عليه في القرآن الكريم و أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة المطهرة من مفاسد وأضرار الميسر في الدين والدنيا وعلى الفرد والمجتمع، وهذه جملة من تلك المفاسد والأضرار في مطلبين:

أضرار الميسر الدينية:

هناك مفاسد دينية كثيرة تترتب من تعاطي الميسر والقمار ومنها:

1- أن في الميسر إثما كبيراً: قال تعالى { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع و إثمهما أكبر من نفعهما}، وهذا يقتضي كونه حراما في الشريعة الإسلامية إذ الحرام هو ( المنهي عنه على الجزم، المثاب على تركه، والمعاقب على فعله، وهو مأخوذ من الحرمة وهي ما يحرم انتهاكه ) [26]،وقد سقنا فيما مضي من الأدلة القاضية على تحريم الميسر من الكتاب والسنة ما يغني عن إعادته هنا.

فتعاطي الميسر إذن عمل يستحق فاعله عقاب الله تعالى ويعرضه لسخطه، وإثم الميسر أعظم بكثير مما قد يحصله من المال وعرض الدنيا الزائل لقوله تعالى { وإثمهما أكبر من نفعهما }، والله تعالى لم يجعل الحرام طريقا للكسب ولا سببا للسعادة في الدنيا، ولذلك رد على من ساوى بين البيع والربا فقال سبحانه { وأحل الله البيع وحرم الربا } [27]،بل إن تقوى الله تعالى وفعل أوامره واجتناب نواهيه هي سبب كل خير في الدنيا والآخرة قال تعالى { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [28]وقال تعالى { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } [29]وقال تعالى {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} [30] وقال تعالى { ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا } [31]

2- إن الميسر قرين الشرك وشرب الخمر : وهذه الصفة مما يزيد قبحه شرعا، فالمنهيات على درجات، واقتران منهي من المنهيات بأكبر الكبائر في الذكر يزيده قبحا وسوء، وقد نهى الله عن الميسر وقرنه بكبائر أخرى وعلى رأسها الشرك بالله تعالى فقال {إنما الخمر والميسر والأنصاب و الأزلام...} الآية. والأنصاب عند غير واحد من السلف حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وأما الأزلام فهي قداح كانوا يستقسمون بها [32]،وكل ذلك من الشرك وهو أعظم ما عصي الله به ولا يغفر الله لمن مات عليه قال تعالى{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } [33].

ولعل من حكم اقتران الميسر بالشرك والخمر بيان شناعته لمن تزين له نفسه تعاطيه، فإن كثيرا من الناس لانتشار الميسر وكثرة المبتلين به من العوام والخواص، وما يتعود من سماع أو قراءة أخباره في وسائل الإعلام قد يهون عليه خطره ويسهل عليه اقترافه مع أنه قد يمتنع عن شرب الخمر وقد لا يشرك بالله تعالى، وهذا منتهى الغباوة والغفلة فما الفرق بين أنواع المعاصي، إذا كانت كلها تعبر عن استهانة بأمر الله ورسوله، وتكشف عن ضعف في الإيمان يعاني منه الإنسان.

2- إن الميسر رجس: قال تعالى { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس...} الآية ( والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس، وقيل إن أصله من الركس وهو العذرة والنتن ) [34]والقذارة أو النجاسة قد تكون حسية أو معنوية ومثال الأول الأعيان النجسة فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة فقال إنها ركس [35]،وأما القذارة أو النجاسة المعنوية فمثل الكفار والمشركين الذين قال الله تعالى فيهم { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا }[36]وظاهر النصوص الواردة في ذم الميسر من القرآن والسنة يدل على نجاسته الحسية والمعنوية معا، مما يوجب على المسلم التنزه عن تعاطيه وملامسة آلاته، وغشيان مجالسه.

وكون الميسر رجسا يقتضي كون ما يحصله الإنسان من المال بواسطته خبيثا مثل مهر البغي وحلوان الكاهن، ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، فلو حج به، أو تصدق به على الفقراء والمساكين، أو بنى به مساجد، أو وقف أوقافا، فكل ذلك لا يقبله الله منه، وأكله من هذا المال قد يجعل دعوته غير مستجابة، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين فقال { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } [37]ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ) [38]

4- إن الميسر من عمل الشيطان: قال تعالى في وصف الخمر والميسر... { رجس من عمل الشيطان } ( الذي هو أعدى الأعداء للإنسان، ومن المعلوم يحذر منه ويحذر مصائده وأعماله خصوصا الأعمال التي يعملها ليوقع عدوه فإن فيها هلاكه، فالحزم كل الحزم البعد عن عمل العدو المبين والحذر منها والخوف من الوقوع فيها ) [39].

والشيطان حريص على إغواء بني آدم وإبعادهم عن رحمة الله بما يزين لهم من الشرك وسائر المعاصي { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } [40]وللشيطان في إغواء الناس وسائل وأساليب مختلفة فهو يستفزز من استطاع بصوته و يجلب عليهم بخيله ورجله {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزائكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } [41]ومما يعدهم الشيطان الفقر فيقول لهم إن أنتم التزمتم بشرع الله في البيع والشراء وسائر وسائل الكسب لافتقرتم، فالربا والميسر والغش والسرقة مما لا بد منه في زمننا هذا قال تعالى {الشيطان يعدكم الفقر والله يعدكم مغفرة منه وفضلا }. [42]

5- إن الميسر من موانع الفلاح: ومن أضرار الميسر أنه من موانع الفلاح، وذلك بمجرد ارتكابه بدون استحلال فيمنع من مطلق الفلاح لما يسحقه من يلعب بالميسر من غضب الله وعذابه لأنه من كبائر الإثم، و يمنع من الفلاح مطلقا إذا استحل الميسر وكذب الله ورسوله، ورمى الشريعة بالضيق والقصور فيخرج بذلك من الإسلام، ويستحق الخلود في النار والعياذ بالله، قال تعالى { بلى من كسبت سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [43].

وإذا تأملنا في حالة كثير من البلاد التي ابتلاهم الله بهذه العادة السيئة وجدناهم وصلوا إلى هذه الدرجة من محاربة الله ورسوله، حيث أذنت الحكومات بممارستها ونظمت عملياتها، وصنفت مؤسساتها من مؤسسات التنمية الوطنية، وتنشر أخبارها وإعلاناتها في مختلف وسائل الإعلام، والأشد من ذلك ما تشهده من سكوت تام للعلماء والدعاة عن إنكار هذا المنكر ومحاربته، حتى ليخشى أن يعم الله الجميع بمؤاخذته إذا جازى عباده بما يقترفون، اللهم غفرا.

6- إن الميسر يصد عن ذكر الله وعن الصلاة: إن متعاطي الميسر يهدرون أوقات غالية في ممارسة اللعب بوسائل الميسر من أوراق أو كعاب وغيرها...، وبمتابعة أخبار الفائزين والخاسرين، ويضيعون الجمع والجماعات، ويعرضون عن مجالس ذكر الله و حلق العلم، ويغفلون عن المواعظ وعن تذكر الموت وعذاب القبر وعن أهوال الآخرة، فتصبح معيشتهم ضنكا بما يخسرون من أموالهم وبما يضيعون من أعمارهم ويفوتون من مصالحهم، ويحشرون يوم القيامة – إن لم يغفر الله لهم – عميانا إلى عذاب الله وغضبه قال تعالى{ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } [44].

ومن الملاحظ أن أكثر الناس تعاطيا للميسر هم الجهال و العصاة قاصري العقول من الناس، ويقل فيهم المثقفون ومرتادي المساجد وحلق الذكر مصداقا لقوله تعالى { وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } [45]قال أبو العالية ( إن الصلاة فيها ثلاث خصال فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله، فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه... ) [46].

مفاسد الميسر الدنيوية:

كما أن للميسر مفاسد تتعلق بدين المرء وتعرضه لغضب الله وعذابه يوم القيامة، فكذلك فإن له مفاسد تتعلق بالحياة الدنيا فتعكرها وتنغص صفوها، وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض تلك المفاسد، كما أن بعضها مشاهدة وملموسة من واقع الحياة اليومية للمشتغلين بالميسر، وهذه بعض تلك المفاسد الدنيوية:

1- إن الميسر يسبب العداوة والبغضاء بين الناس.

يعد التآلف و التحابب بين أفراد المجتمع الواحد من عوامل قوة ذلك المجتمع وأسباب تقدمه ونموه، لأنهم يكونون كالجسد الواحد، كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع الإسلامي الملتزم بتعاليم الكتاب والسنة ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) [47]ومجتمع كهذا يتعاون أفراده على كل بر يعين على مصالح الدنيا وكل تقوى ترضي الله ورسول الله، قال النووي معلقا على الحديث ( هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم والتلاطف والتعاضد في غير إثم ولا مكروه ). [48]

والميسر بأنواعه وأشكاله عادة سيئة تؤدي انتشاره في المجتمع إلى العداوة والبغضاء قال تعالى { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة في الخمر والميسر } و قال الإمام الطبري رحمه الله ( يقول تعالى ذكره إنما يريد لكم الشيطان شرب الخمر والمياسرة بالقداح ليعادي بعضكم بعضا ويبغض بعضكم إلى بعض فيشتت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان وجمعه بينكم بأخوة الإسلام ) [49].

ووجه ذلك - والله أعلم - أن الميسر لا يخلوا من ربح أو خسارة، وكلاهما حاصل على نحو باطل لا يقره دين ولا عقل، وليس كربح التجارة أو خسارتها، لأن التاجر المسلم أو العاقل يعترف بقضاء الله وقدره، ويسلم بنهاية الصفقات حسب المقدمات الصحيحة التي تمليها طبيعة العرض والطلب، أما المقامر فيسعى وراء خيال وسراب ويركض خلف حظ موهوم، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، فيعض على أنامل الحسرة، ويلتفت فإذا حوله مياسروه يسخرون بملء أفواههم لما ربحوه من أموال الناس بالباطل، فهل بعد ذلك يتصور بين الفريقين مودة أو رحمة، لا وهيهات !!

2- إن الميسر من عوامل انتشار البطالة.

الواجب على الحكومات والدول الناصحة لرعاياها أن توفر لها فرصا حقيقية للعمل والتكسب، وذلك بإقامة مصانع كافية تستوعب السواعد القوية من المواطنين والكفاءات العالية من الباحثين والعلماء، وإيجاد مزارع واسعة تكفي الفلاحين والمزارعين، وتيسير تجارة رائجة يصفق بها الأغنياء في الأسواق، فتتحقق الكفاية لعامة الشعب وتقل البطالة، وتقضى على الجريمة ويعم الأمن في ربوع البلاد.

قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله ( والمقصد الشرعي في الأموال كلها خمسة أمور: رواجها، ووضوحها، وحفظها، وثباتها، والعدل فيها، فالرواج دوران المال بين أيدي أكثر من يمكن من الناس بوجه حق، قال تعالى { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله}[50] وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ما مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة ) [51] وقال أيضا { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } [52]... ) [53].

ولا شك أن الميسر لا تمت إلى واحد من هذه المقاصد بصلة، بل إن شيوعه في المجتمع يعطل الصناعات ويخسر التجارات وتهلك المزارع، كيف لا، والشياطين تعد الشذج من الناس بالغنى الفاحش والثراء الطاغي بمجرد مشاركة في لعبة الميسر، ولذلك فإنك لا تدخل مصنعا إلا وجدت العمال منهمكين وفي أوقات العمل على أوراق الميسر، ولا ترى مزارعا إلا وفي يده تلك الأوراق، وكذلك التجار في الأسواق، والأطباء في المشافي، فمتى يتفرغ هؤلاء لما هم مهيئون له من واجبات !!

3- إن الميسر يساهم في تفشي الجريمة.

إن صالات القمار، أو قل إن مجتمعات القمار لا تخلوا في أغلب الأحيان من جرائم السرقة والقتل ومن الشرب والخلاعة و الميوعة، قال بن سيرين في تعريف الميسر ( كل لعب فيه قمار من شرب أو صياح أو قيام فهو من الميسر ) [54].

أما السرقة فلأن المشاهد للعبة الخمار وكيف يخسر هذا بسرعة وكيف يربح ذلك في طرفة عين تستهويه العملية فيود المشاركة فيها بأي طريق ممكن، وغالبا ما يلجأ إلى السرقة لإشباع تلك الرغبة العارمة، واعتبر ذلك في الأولاد الذين يتقامرون بالجوز والكلل وغيرها، فإنهم يسرقون الأموال من آبائهم وأمهاتهم ليشترون بها تلك الأغراض التي يتقامرون بها مع زملائهم.

وأما القتل فلما يسوء بعضهم أن يذهب ماله هباء في دقيقة واحدة وربما تعب وكد في تحصيله، فيشتاط غضبا، فينتحر هو، أو يقتل أصحابه ليسترد ما ذهب من ماله.

أما الشرب والخلاعة والميوعة فهو نصيب الفائز الخاسر من المقامرين، لإن الله تعالى يمحق الربا ويربي الصدقات، فالمال الحلال يسهل إنفاقه في الوجه الحلال بل الواجب والمندوب، وأما المال الحرام فيستهلكه صاحبه فيما يضره من شهوتي الفرج والبطن، ولهذا فإن صالات القمار في أغلب الأحيان أوكار للرذيلة والمخدرات.

4- في الميسر أكل لأموال الناس بالباطل:

ومن مقصود الشارع في الأموال أيضا كما يقول بن عاشور رحمه الله ( الوضوح، والحفظ، والعدل، والإثبات ) ويستمر - رحمه الله - في شرح تلك المقاصد قائلا: ( وأما وضوح الأموال فذلك إبعادها عن الضرر والتعرض للخصومات بقدر الإمكان، ولذلك شرع الإشهاد والرهن في التداين، وأما حفظ المال فأصله قول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل...} [55]وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس ) [56]،أما إثباتها فهو تقريرها لأصحابها بوجه لا خطر فيها ولا منازعة، أما العدل فيها فذلك بأن يكون حصولها بوجه غير ظالم وذلك إما أن تحصل بعمل مكتسبها، وإما بعوض من مالكها أو بتبرع وإما بإرث ومن مراعاة العدل حفظ المصالح العامة ودفع الأضرار ) [57].

ومال الميسر كسب رخيص يكتنفه الغموض من كل جانب، ولا يعرف الرابح من أين جاءه الربح ولا يدري الخاسر من أين أتاه الخسران، ولا يمكن تقريره بوجه لا منازعة فيها، ولذلك يدلون إلى الحكام ليأكلوا فريقا من أموال الناس بالباطل، أما مقصد العدل فهو أبعد المقاصد عن الميسر، فالميسر هو الظلم بعينه، إذ بواسطته يأكل الناس بعضهم أموال بعض بغير وجه حق، ومهما قال لك المقامر في حرية ممارسته لهذه العادة السيئة، فإنه لا يطيب نفسا بما يخسر من مال.

الخاتمة:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على خير من دعا إلى الإيمان وعمل الصالحات، أما بعد فقد تم ما نوينا تقييده عن أضرار الميسر الدينية والدنيوية، وتوصلنا بفضل الله تعالى وتوفيقه إلى النتائج التالية:

1- الميسر هو ( هو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين من النرد والشطرنج، وكل مغالبة فعلية أو فعلية بعوض ).

2- أن حكمه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو الحرمة، لقوله تعالى ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون )، وقوله صلى الله عليه وسلم ( من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه )

3- من أضرار الميسر على دين المرء: أنه إثم، ورجس، ومن عمل الشيطان، ومن موانع الفلاح ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة ) قال تعالى{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } [58]

4- ومن أضراره الدنيوية: أنه يوقع العداوة والبغضاء بين الناس، وينشر البطالة، ويفشي الجريمة في المجتمع، وهو طريقة لأكل أموال الناس بالباطل.

5- وكل ذلك مما أخبر الله في كتابه ومن أصدق من الله حديثا، والمجتمعات البشرية اليوم يعاني من ويلات كل هذه الأضرار والمفاسد، ولا منجى و لا مفر من ضنك الحياء وضيق المعاش الذي هم فيه إلا بالتوبة الصادقة والرجوع إلى الله والتمسك بكتابه وسنة رسوله. والله المستعان.

masrawy27
04-06-2008, 02:14 PM
الإعجاز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

دأب المسلمون منذ مدة على البحث في إعجاز القرآن الكريم في مختلف الميادين التي تطرق إليها الكتاب الكريم، فكان هناك بحوث في الإعجاز البياني، والعلمي، والتشريعي، والغيبي، والنفسي ...وفي الجوانب المتعلقة بالنبي _ صلى الله عليه وسلم _ تناولت البحوث الأقوال النبوية الشريفة وما تضمنته من حقائق كشف عنها العلم الحديث، مثل أقواله في الصحة، وإخباره عن بعض الغيبيات، وحتى كتاب السيرة المطهرة لم يجاوزوا في أحسن الأحوال الإفادة من الأحكام الفقهية التي تضمنتها أحداث السيرة، في حين اكتفى الكثير منهم برواية الأحداث وتنقيحها، وهذه الجهود يشكر عليها أصحابها لما تكشف عنه من أحكام معتبرة للدين قد لا نجدها في صريح القرآن والسنة.

فسيرته صلى الله عليه وسلم يستقي منها الدعاة أساليب الدعوة ومراحلها، ويتعرفون على ذلك الجهد الكبير الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل إعلاء كلمة الله، وكيف التصرف أمام العقبات والصعوبات والموقف الصحيح أمام الشدائد والفتن.

- ويستقي منها المربُّون طرق التربية ووسائلها.

- ويستقي منها القادة نظام القيادة ومنهجها.

- ويستقي منها الزهَّاد معنى الزهد ومقاصده.

- ويستقي منها التجَّار مقاصد التجارة وأنظمتها وطرقها.

- ويستقي منها المبتلون أسمى درجات الصبر والثبات وتقوى عزائمهم على السير على منهجه والثقة التامة بالله عز وجل بأن العاقبة للمتقين.

- ويستقي منها العلماء ما يعينهم على فهم كتاب الله تعالى، ويحصلون فيها على المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة، وبها يدركون الناسخ والمنسوخ وأسباب النـزول وغيرها وغيرها من المعارف والعلوم.

- وتستقي منها الأمة جميعاً الآداب والأخلاق والشمائل الحميدة[1].

وإذا كان المسلمون قد أفادوا من السيرة المطهرة في دينهم فإنهم بحاجة أيضا للإفادة منها في دنياهم ، فلا تقل حاجتهم إلى دنياهم اليوم عن حاجتهم إلى الدين ، وهم في زمن سيطر فيه أعداؤهم على الدنيا وأصبحت مبادؤهم وقيمهم، ومقدساتهم مهددة.

إن هذا العصر الذي تحول فيه العالم كله إلى مجرد قرية كونية بما وفرته وسائل الاتصالات الحديثة وما ترتب عن ذلك من ظهور ما يسمى بالعولمة التي فتحت كل شيء أمام كل شيء، وتنافست السلع والأفكار تعرض نفسها على المجتمع البشري، ليس لنا نحن المسلمين سلعة نعتز بها وننافس بها غيرنا، وإنما عندنا دين قويم ونبي عظيم هو كل ما نملك، فعلينا أن نعرف العالم بنبينا وعظمة نبينا مستغلين ما توفره لنا العولمة، خصوصا وأن العديد من عقلاء الغرب الحديث قد أشاروا إلى فضله على بقية الخلق كما هو الشأن مع صاحب كتاب الخالدون مائة الذي قال : وكان الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ على خلاف عيسى عليه السلام رجلا دنيويا فكان زوجا وأبا وكان يعمل في التجارة ويرعى الغنم، وكان يحارب ويصاب في الحروب ويمرض ... ثم مات ..

ولما كان الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ قوة جبارة ، فيمكن أن يقال أنه أيضا أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ.

وإذا استعرضنا التاريخ .. فإننا نجد أحداثا كثيرة من الممكن أن تقع دون أبطالها المعروفين .. مثلا : كان من الممكن أن تستقل مستعمرات أمريكا الجنوبية عن اسبانيا دون أن يتزعم حركاتها الاستقلالية رجل مثل سيمون بوليفار .. هذا ممكن جدا . على أن يجيء بعد ذلك أي إنسان ويقوم بنفس العمل.

ولكن يستحيل أن يقال ذلك عن البدو .. وعن العرب عموما وعن إمبراطوريتهم الواسعة، دون أن يكون هناك محمد – صلى الله عليه وسلم - .. فلم يعرف العالم كله رجلا بهذه العظمة قبل ذلك ..[2]

وقبل الخوض في موضوع هذا الإعجاز لابد من بيان معنى الإعجاز والمعجزة والفرق بينهما ، والوجوه التي نبحثها في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، مع التفريق بين المعجزة والكرامة وما لا يعد كذلك .

مفهوم المعجزة :

أمر خارق للعادة يظهر على يدي مدّعي النبوة ، مقرون بالتحدي ، سالم عن المعارضة بالمِثْل.

وكلمة أمر خارق للعادة : معناها ليس من عادة البشر فعل هذا الشيء كتفجّر الماء من يدي رسول الله . مقرون بالتحدي : معناها أي يتحدى بها النبي على نبوّته .

سالم من المعارضة بالمثل : معناها لا أحد يستطيع أن يأتي بمثلها. كالذي حصل مع سيدنا موسى لم يستطع سحرة فرعون أن يأتوا بمثل ما أتى به موسى .

يظهر على يدي مدّعي النبوة : معناها فما كان خارقا للعادة لكنه لم يقترن بدعوى النبوة كالخوارق التي تظهر على أيدي الأولياء أتباع الأنبياء فإنه ليس بمعجزة بل يسمى كرامة ولكن تسمى معجزة للنبي الذي يَتَّبِعْه هذا الولي لأنه لولم يسلك طريق هذا النبي لم يصل إلى هذه الكرامة .

ونصل مما تقدم إلى أن المعجزات خاصة بالأنبياء عليهم السلام، وما دام أن قائمة الأنبياء قد ختمت منذ خمسة عشرة قرنا فلا سبيل إلى ظهور معجزات على أيدي غيرهم مهما بلغوا من الورع والصلاح، فإذا شفي مريض بلمسة من شخص آخر فليس ذلك بمعجزة ، وإذا نجا شخص من موقف عادة ما يكون فيه الموت مؤكدا فليس ذلك بمعجزة أيضا .

وأما الإعجاز في حياته - صلى الله عليه وسلم - فنعني به أنه حقق بجانبه البشري في وقت وجيز ما عجز عنه غيره من البشر سواء كانوا أنبياء أو قادة أو زعماء ، وهذا يشير بوضوح إلى تفضله على غيره، وأنه الأولى بالتقليد والإتباع، وهذا الجانب لا نستدل به على صدقه بقدر ما نستدل به على عظمته، وهذه العظمة تقود فئات من الناس إلى اتباعه في كل أقواله مطمئنين إلى أنه أفضل قدوة، وأفضل من يتبع ، فأقواله هي أصح وأصدق الأقوال، وأفعاله وأحكامه هي أعدل الأحكام ، وتشريعه أفضل تشريع، ودينه أفضل الأديان، ومن جانب آخر فإن الغرض من هذا البحث هو استخلاص المعاني التي تمنح صاحبها التفوق والنجاح في التغيير.

صحيح أن الرسل قد أيدهم ربهم بالوحي والمعجزات، وربهم واحد، ودينهم واحد، ورسول الوحي إليهم واحد، لكنهم يختلفون في جوانبهم البشرية، ولعل هذه الجوانب هي التي تفسر اختلافهم في درجات الاستحواذ على عقول الناس، فنجد منهم من أوصل رسالته إلى الآفاق البعيدة وامتدت في طول الزمان وعرضه كما هو الشأن بالنسبة لصاحب المقام المحمود - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من ظلت شريعته محصورة على نطاق ضيق، فقد يزود القادة في معاركهم بنفس العدد والعدة ولكن النصر لا يكون حليف الجميع.

وتحفل السيرة النبوية الشريفة بأنواع كثيرة من الأحداث والمعاني التي يمكن اعتبارها المفاتيح الحقيقية للتغيير، ولكن السؤال الذي تصعب الإجابة عنه هو، ما هي تلك المعاني ؟ خصوصا وأن حياته - صلى الله عليه وسلم - مفعمة بالحيوية والنشاط، وهو يتصرف في حياته تارة باعتباره نبيا، وأخرى باعتباره حاكما قاضيا، وتارة ثالثة باعتباره إنسانا عاديا، ثم من أين تؤخذ المعاني التي نفتش عنها، هل تؤخذ من لباسه وهيئته، أو من أقواله وتصرفاته، والناس يختلفون اليوم في ذلك اختلافا كبيرا كما اختلف بعض الصحابة - رضي الله عنهم - في فهم السبب الموجب للجنة، عندما قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم: يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة، فبعضهم كان يركز على هيئته الحسنة، وبعضهم الآخر على قيامه ليلا، وبعض ثالث على الصيام، وغير هؤلاء فكروا في أمور أخرى، ولكن الحقيقة شيء آخر. عن أنس بن مالك قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة ، فطلع رجل من الأنصار ، تنظف لحيته من وضوئه ، قد علق نعليه بيده الشمال ، فلما كان الغد قال النبي مثل ذلك ، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبي مثل مقالته أيضا ، فطلع ذلك الرجل مثل حالته الأولى .

فلما قام النبي ، تبعه عبد الله بن عمرو فقال : إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت ! قال : نعم .

قال أنس : فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئا ، غير أنه إذا تعار - تقلب في فراشه - ذكر الله عز وجل حتى ينهض لصلاة الفجر قال عبد الله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا .

فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله . قلت : يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة . ولكني سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرات : يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة ، فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن آوي إليك ، فأنظر ما عملك فأقتدي بك ، فلم أرك عملت كبير عمل !! فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت . قال عبد الله : فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت ، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه . فقال عبد الله : هذه التي بلغت بك !![3] .

أقوال المنصفين المحدثين في النبي – صلى الله عليه وسلم -

أحب أن أشير في هذا المقام إلى المكانة التي يحتلها النبي _ صلى الله عليه وسلم _ في عقول المنصفين من غير المسلمين حتى نعرف أن إنجازاته تستحق التعريف بها والدعوة من خلالها :

1 – مهاتما غاندي :

أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر

http://www.55a.net/firas/ar_photo/9/200px-Gandhi_studio_1931.jpg


... لقد أصبحت مقتنعا كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته و صدقه في الوعود و تفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه و رسالته هذه الصفات هي التي مهدت الطريق و تخطت له المصاعب و ليس السيف، بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول وجدت نفسي آسفا لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على حياته العظيمة .

2 – راما كريشناراو :

لا يمكن معرفة شخصية محمد بكل جوانبها . ولكن كل ما في استطاعتي أن أقدمه هو نبذة عن حياته من صور متتابعة جميلة . فهناك محمد النبي ، ومحمد المحارب ، ومحمد رجل الأعمال ، ومحمد رجل السياسة، ومحمد الخطيب، ومحمد المصلح، ومحمد ملاذ اليتامى، وحامي العبيد، ومحمد محرر النساء ، ومحمد القاضي، كل هذه الأدوار الرائعة في كل دروب الحياة الإنسانية تؤهله لأن يكون بطلا.

3 – المفكر الفرنسي لامارتين :

http://www.55a.net/firas/ar_photo/8/250px-Louis_antoine_artois.jpg

إذا كانت الضوابط التي نقيس بها عبقرية الإنسان هي سمو الغاية والنتائج المذهلة لذلك رغم قلة الوسيلة ، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقارن أيا من عظماء التاريخ الحديث بالنبي محمد – صلى الله عليه وسلم – في عبقريته ؟ فهؤلاء المشاهير قد صنعوا الأسلحة وسنوا القوانين وأقاموا الإمبراطوريات ، فلم يجنوا إلا أمجادا بالية لم تلبث أن تحطمت بين ظهرانيهم ، لكن هذا الرجل لم يقد الجيوش ويسن التشريعات ويقيم الإمبراطوريات ويحكم الشعوب ويروض الحكام فقط ، وإنما قاد الملايين من الناس فيما كان يعد ثلث العالم حينئذ . ليس هذا فقط ، بل إنه قضى على الأنصاب والأزلام والأديان والأفكار والمعتقدات الباطلة...

هذا هو محمد – صلى الله عليه وسلم – الفيلسوف ، الخطيب ، النبي ، المشرع، المحارب ، قاهر الأهواء، مؤسس المذاهب الفكرية التي تدعو إلى عبادة حقة ، بلا أنصاب ولا أزلام، هو المؤسس لعشرين امبراطورية في الأرض، وإمبراطورية روحانية واحدة، هذا هو محمد– صلى الله عليه وسلم .

بالنظر لكل مقاييس العظمة البشرية، أود أن أتساءل : هل هناك من هو أعظم من النبي محمد– صلى الله عليه وسلم – ؟ .

4 – مونتجومري :

إن استعداد هذا الرجل لتحمل الاضطهاد من أجل معتقداته، والطبيعة الأخلاقية السامية لمن آمنوا به واتبعوه واعتبروه سيدا وقائدا لهم، إلى جانب عظمة إنجازاته المطلقة ، كل ذلك يدل على العدالة والنزاهة المتأصلة في شخصه ، فافتراض أن محمدا مدع افتراض يثير مشاكل أكثر ولا يحلها، بل إنه لاتوجد شخصية من عظماء التاريخ الغربيين لم تنل التقدير اللائق بها مثل ما فعل بمحمد .

5 – الدكتور زويمر :

إن محمدا كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيين ، ويصدق عليه القول أيضا بأنه كان مصلحا قديرا وبليغا فصيحا وجريئا مغوارا ، ومفكرا عظيما ، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات ، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء .

6 – برنارد شو :

إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد ، هذا النبي الذي وضع دينه دائما موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالدا خلود الأبد، وإني أرى كثيرا من بني قومي قد دخ

http://www.55a.net/firas/ar_photo/4/180px-George_bernard_shaw.jpg


لوا هذا الدين على بينة ، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوربا) .

إن رجال الدين في القرون الوسطى ، ونتيجة للجهل أو التعصب قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة ، لقد كانوا يعتبرونه عدوا للمسيحية ، لكني اطلعت على أمر هذ الرجل، فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدوا للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية ، وفي رأيي أنه لوتولى أمر العالم اليوم ، لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها .

7 – تولستوي :

يكفي محمد فخرا أنه خلص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة ، وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم ، وأن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة[4].

هذه نماذج من أقوال المنصفين الغربيين في النبي محمد – صلى الله عليه وسلم –

وقبل البحث في أسباب الإعجاز في حياته - صلى الله عليه وسلم - لا بد من الحديث أولا عن مظاهر ذلك الإعجاز، فبها يمكن أن نضع أيدينا على العوامل الحقيقية والأسباب التي أعجز بها النبي - صلى الله عليه وسلم - غيره من الناس.

مظاهر الإعجاز في حياته - صلى الله عليه وسلم - :

لو أجملنا لقلنا إنه حول العرب من النقيض إلى النقيض في زمن قصير وبأقل التكاليف ، كانوا أعداء فأصبحوا إخوانا ، كانوا يعبدون آلهة كثيرة فأصبحوا يعبدون إلها واحدا خالقا ، كانوا أميين فأصبحوا متعلمين ، كانوا قبائل كثيرة متحاربة فأصبحوا دولة واحدة ،كانوا متخلفين عن الأمم المجاورة لهم فأصبحوا متقدمين عنها .

وأمَّة العُرب كم كانت مخلفة والفرس والروم في ملك وفي حشَم

ما كان يخطر بالألباب يومئذ أن المـوازين قد تهـوي وتنهدم

ليصبح البدو في مجد وفي بذخ والروم والفرس في وحل وفي أكَم

ولو أردنا تفصيل تلك الدلائل فسنكتفي بهذه النماذج وفي الإشارة ما يغني عن العبارة :

1 – نقل العرب من الفرقة والعداوة إلى الوحدة والمحبة : كانت بلاد العرب قبل الإسلام قبائل متنافرة متناحرة تتبع بأنعامها مواطن الكلإ والماء، يأكل قويها ضعيفها، ويغزو بعضها بعضا، وقامت بسبب ذلك حروب كثيرة عرفت بأيام العرب، على غرار حرب البسوس وحرب داحس والغبراء وحرب الفجار وغيرها .. وكانت دولة الفرس في الشمال ودولة الروم في الغرب وحتى الأحباش في الجنوب يستغلون هذا الوضع لإحكام سيطرتهم، وفرض الضرائب على العرب، ولم يكن الفكر العربي في تلك المرحلة يرقى إلى مستوى التفكير في إقامة دولة أو مجتمع أو حضارة كما هو الشأن عند الأمم الأخرى، ولم يمض من عمر الإسلام أكثر من عشر سنوات حتى أعلن النبي – صلى الله عليه وسلم – قيام المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية ليعرف العرب عندها أول دستور في حياتهم، وانتقلت العاصمة إلى يثرب، ولم يكن قيام هذه الدولة هدفا في حد ذاته، بل كان هدف مؤسس هذه الدولة أبعد من ذلك بكثير، لقد كان هدفه تكوين حضارة جديدة تمتد في طول الزمان وعرضه، تقوم على كلمة التوحيد والمباديء الإنسانية السامية، ووجود أجناس مختلفة، وألوان مختلفة ضمن أفرادها الأوائل وما تضمنته نصوص الوحي من عبارات تأمر بالمساواة بين الجميع إشارة صريحة إلى ذلك .

ولم تكن هذه الوحدة مجرد شعارات ظاهرية ، أو نظاما مفروضا على الناس وهم له كارهون ، بل إنها امتدت عمقا لتعانق شغاف القلوب ، وذابت في ثناياها جميع الانتماءات العرقية والقبلية وتبدلت الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة ، فلا فرق بين أبيض وأسود ، ولا بين فقير وغني ، ولا بين أمير ومأمور ، ولا بين شريف النسب ووضيعه ، وترك أمر الأفضلية للعمل الصالح فحسب ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )[5].

– نقل العرب من الجاهلية والأمية إلى الحلم والتعلم :كانت العرب أمة أمية لا تعرف في عمومها القراءة والكتابة بشهادة القرآن الكريم ، كما كانت الجاهلية تتحكم في تصرفاتها ، وتغذي فيها معاني الثأر والظلم والتعسف على نحو قول عمرو بن كلثوم :

ألا لا يجهلن أحـــد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا

وبعد فترة وجيزة من مجيء الاسلام وما صاحبه من إصرار محمدي على التعلم ببيان فضل المتعلمين، واعتبار التعلم فريضة دينية على كل مسلم لا تقل عن فريضة الصلاة و الصيام و ما فعله في غزوة بدر مع أسرى قريش و هي حادثة لم يعرف التاريخ لها مثيلا لا قبل ذلك و لا بعده، هاهي القراءة و الكتابة تنتشر فيهم و استطاعوا حل كل المشكلات التي أعيت سابقيهم فوضعوا النقاط على الحروف و استحدثوا الشكل و وضعوا علم العروض وعلم النحو و كل ذلك في فترة وجيزة، و من جهة ثانية حلت محل صفات الجاهلية أخلاق الحلم و الأناة و التدبر و انتشر بينهم التسامح و الإحسان على نحو قيس بن عاصم يخاطب امرأته :

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فإني لست بآكله وحدي

أخا طارقا أو جار بيت فإنني أخاف ملامات الحديث من بعدي

و سئل الأحنف بن قيس : ممن تعلمت الحلم ؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري رأيته قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه حتى أتى رجل مكتوف و رجل مقتول فقيل له : هذا ابن أخيك قتل ابنك ؟ فوالله ما حل حبوته و لا قطع كلامه ثم التفت إلى ابن أخيه فقال له: يا بن أخي أثمت بربك و رميت نفسك بسهمك و قتلت ابن عمك ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوار أخاك و حل كتاف ابن عمك و سق إلى أمه مائة ناقة دية ابنها إنها غريبة ..و قال الأحنف : لست حليما لكنني أتحالم [6] .

3ـ من التبعية و الرعي إلى القيادة والإدارة : كان العرب قبل الإسلام متوزعين في تبعيتهم بين الفرس و الروم عدا قلة منهم كانت تعيش على الرعي والتجارة والغزو ، ولم يكن يخطر ببال أحد منهم أن يتحولوا إلى قادة فتوح وأساطين سياسة تنقل أقوالهم وأفعالهم كتب التاريخ في مشارق الأرض ومغاربها ، وحال عمر بن الخطاب قبل الإسلام وبعده خير شاهد على ذلك، ولقد استطاع النبي الكريم أن يحول جميع أصحابه إلى فاعلين في المجتمع من الخليفة إلى التاجر مرورا بالقادة والجنود، وبالتعبير المعاصر فإن الوعي السياسي كان سائدا فيهم ، كلهم يعرف المصلحة العليا ويراعيها في تصرفاته .

لقد أحسن النبي إدارة الصراع مع قريش في مكة يوم كانوا ضعافا وفي المدينة عندما تحولوا إلى قوة ، وتمكن من تفادي ما كان يمكن أن ينتج عن الهجرة من أزمات ، وكذلك نجح أصحابه من بعده في حل العديد من المشاكل كما هو الحال في حرب المرتدين ، والفتوحات الإسلامية ، وما تمخض عنها من ظهور معاملات جديدة مع الأمم التي دخلت في الإسلام ، وكان ذلك كله بفضل القواعد التي تركها لهم النبي والتي لخصها غذاة وفاته في نقطتين هما كتاب الله وسنته – صلى الله عليه وسلم - ، وإنما أصاب المسلمين ما أصابهم بعد ذلك بسبب التخلي عن الالتزام الصارم بتلك القواعد الذهبية .

4 – أنه حقق كل تلك الأعمال العظيمة بأقل التكاليف : لقد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم – كل ذلك في وقت قياسي وبأقل التكاليف ، على خلاف التحولات المعاصرة التي تكلف الكثير من الأنفس والأموال دون أن تتمخض عنها نتائج محترمة ، فإذا كان التحول سلميا فإنه يكلف المبالغ الخيالية من الأموال ، وأما إذا كان غير ذلك فإنه لا يتم إلا بإزهاق أرواح كثيرة ، أما النبي فقد كان أحرص الناس على حقن الدماء وعلى التيسير والأخذ بالأيسر، ولم تكلف عملية التحول الناجحة التي امتدت على مدى ثلاثة وعشرين عاما أكثر من ألف وثمانين قتيلا من المسلمين وأعدائهم على الرغم من أنه خاض ضد أعدائه ثمان وعشرين غزوة، والسر في ذلك أنه جعل حفظ الأنفس واحدة من أهم أولوياته ، فهو قد قبل بصلح الحديبية على ما قد يبدو فيه من جور، وقبل الفدية يوم بدر ممن ناصبوه العداء، وآذوه وجاؤا لقتاله، ومن مظاهر حرصه على الدماء ما حدث في فتح مكة، فهو قد حرص على عدم إعلام قريش حينما أراد الفتح لئلا تتجهز لذلك ويذهب في المعارك قتلى كثيرون، فقد خرج من المدينة ولا يعلم من أصحابه وجهته إلا امرأته عائشة وصاحبه أبو بكر الذي أمره بإخفاء الأمر ، فكان من يظن أنه يريد الشام، وظان يظن ثقيفا، وظان يظن هوازن ، وبعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أبا قتادة ابن ربعي في ثمانية نفر إلى بطن إضم[7] ليظن ظان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – توجه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار[8] .

وقد كان حامل لواء كتيبة رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ في طريق الفتح سعد بن عبادة فلما رأى أبا سفيان نادى : يا أبا سفيان ! اليوم يوم الملحمة ! اليوم تستحل الحرمة ! اليوم أذل الله قريشا ! فأقبل رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ حتى حاذى أبا سفيان ناداه : يا رسول الله أمرت بقتل قومك ؟ سعد حين مر بنا قال : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة ! اليوم تستحل الحرمة ! اليوم أذل الله قريشا ! و إني أنشدك الله في قومك فأنت أبر الناس و أرحم الناس و أوصل الناس قال عبد الرحمن بن عوف و عثمان بن عفان : يا رسول الله ما نأمن سعدا أنه يكون منه في قريش صولة فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : اليوم يوم المرحمة ! اليوم أعز الله فيه قريشا ! قال : و أرسل رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ إلى سعد فعزله وجعل اللواء إلى قيس بن سعد[9] .

أسباب الإعجاز في حياة النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ

1ـ تحقيق الاستقامة في نفسه وإلزامها بما يلزم بها غيره : فقد كان قبل الإسلام يعرف بالصادق الأمين شهادة يشهد بها أعداؤه وأصحابه على حد سواء كما كان معروفا بالوفاء و السعي في مصالح غيره فعندما نزل عليه الوحي و شكا حاله لخديجة قالت : و الله لن يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، و تكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، و تعين على نوائب الحق[10] ، و عندما سأل هرقل أبا سفيان هل يغدر؟ قال أبو سفيان : لا[11] و لا شك أن هذه الأوصاف تسبق التعاليم إلى فتح القلوب فتحبه أو تحترمه و تكون مستعدة لأن تلتزم أمره وتجتنب نهيه فإذا أضيف إليها مشاركته الناس في الالتزام أمرا ونهيا في سرائهم و ضرائهم فهي إشارة أخرى لقيمة العمل في التغيير ، لقد حاصر المشركون المسلمين في شعاب مكة و منعوا عنهم الطعام و اللباس و الزواج وعرض بعض المشركين على النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ بعض المزايا و لكنه أبى ذلك أشد الإباء، فأين هذا اليوم من حكام وملوك تطحن الأزمات شعوبهم و هم يعيشون في عالم آخر من البذح و الرفاهية وأين هذا من حكام وضعوا قوانين على الناس و استثنوا أنفسهم بالحصانة.

لقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مثالا صادقا للرجل العملي يأمر أصحابه أن يصدقوا القول بالعمل حتى قال : "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان جبة خردل"[12] ، وعندما أمر أصحابه بالصبر فإنه كان مثلهم الأعلى ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق وأكرمهم على الله لم يتنزل عليه نصر الله بسُنّة خارقة، بل كُذِّب وأُوذي واتُّهم بالسحر والجنون وشُجّ رأسه وكُسرت رباعيته وتألب عليه الأحزاب. ولكنه ظل صابراً محتسبا .ً

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على هذه الحقيقة، فها هو ذا خباب بن الأرث رضي الله عنه يقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم-: " ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا"، ومع أنه طلب أمراً مشروعاً وهو الاستنصار والدعاء، إلا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قعد وهو مُحمرٌ وجهه، وقال: " قد كان من كان قبلكم لتُمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه ...ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه ..وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، ما يخاف إلا الله عزو جل والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون[13] .

2ـ الحرص على تطبيق قوانين المصلحة العامة والالتزام با لحق مهما كانت النتائج : فلم يكن يقبل العفو في الحدود كالسرقة و القذف و غيرها حتى قال : تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب[14] ، و أما في الأمور الخاصة فكان يفضل العفو و أفضل مثال عن ذلك عفوه عن مشركي مكة يوم الفتح حين قال لهم : إذهبوا فأنتم الطلقاء ، و عفوه عن اليهودية التي وضعت له السم في الطعام ، و عفوه عن المنافقين الذين آذوه، ويغضب النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ من أية محاولة لانتهاك هذه القاعدة ففي حديث المرأة المخزومية التي سرقت و كبر على أهلها قطع يدها توسط لهم عند رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ أسامة بن زيد حب النبي ، فغضب النبي حتى احمر وجهه و قال : يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فاختطب فقال :إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد و أيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها[15].

كما كان – صلى الله عليه وسلم – حريصا كل الحرص على الالتزام بالحق مهما كان ذلك مكلفا، سواء كان ذلك متعلقا بالأفعال كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو بالأقوال كالشهادات ونحوها ، وهو بذلك يربي أصحابه على الصدق والخقيقة ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".[16] و عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم".[17]

3ـ تنويع الخطاب حسب حال المخاطبين: حيث كانت كلماته و أحاديثه بمثابة الدواء و لذلك كان يصف لكل واحد منهم ما يناسبه فقد يكون ما يصلح للواحد منهم لا يصلح للآخر فعندما سأله رجل أي الأعمال أفضل قال : الصلاة على وقتها[18] وقال لآخر: إيمان بالله ورسوله[19] ، و لكن عندما سأله آخر أي الناس أفضل؟ قال :مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله[20]. و عندما حاول فضالة قتله مرتين وضع يده على قلبه فتحول إلى حبه، وعفا عن معاوية وعكرمة و أبى العفو عنه هبار بن الأسود و يدل هذا التنويع على فهمه للنفسيات و ما يصلح لكل منها ، كما يدل ذلك على أنه صاحب فراسة صادقة .

4 – أعطى مفهوما جديدا للسلطة والحكم : فهو قد علم أصحابه أن المسؤولية أمانة ثقيلة لا تسند إلى من سألها ، لأن ذلك يعني أحد أمرين ، فإما أن سائلها لا يعرف حقيقتها و متطلباتها و إما أنه يعرف ذلك و هو يريد استغلالها ، و في كلتا الحالتين لا يصلح لتوليها فعن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت يارسول الله ألا تستعملني ؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال : يا أبا ذر ، إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها[21] ، و عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال : دخلت على النبي – صلى الله عليه وسلم – أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله أمرنا عن بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك، فقال : إنا والله لا نولي هذا العمل أخدا سأله أو أحدا حرص عليه[22].

ويترجم حقيقة الحكم كما جاء به الإسلام ما روي عن الربيع بن زيادة الحارثي أنه وفد على عمر بن الخطاب فأنس إليه عمر و أعجبته هيئته فشكا إليه عمر طعاما غليظا أكله فقال الربيع : ياأمير المؤمنين إن أحق اناس بطعام لين و ملبس لين لأنت ، فرفع عمر جريدة معه فضرب بها رأسه، و قال :أما و الله ما أراك أردت الله بمقالتك، ما أردت إلا مقاربتي ! ويحك هل تدري ما مثلي و مثل هؤلاء ـ جماهير الناس ـ ؟

قال الربيع : ما مثلك و مثلهم ؟ قال عمر : مثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم و قالوا له : أنفق علينا ! فهل يحل له أن يستأثر منها بشيء ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين قال : فكذلك مثلي و مثلهم ...

ثم قال عمر : إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم و ليشتموا أعراضكم و يأخذوا أموالكم ! و لكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم و سنة نبيكم .

فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي ليرفعها إلي حتى أقصه منه ! فقال عمرو بن العاص : أرأيت إن أدب أمير رجلا من رعيته أتقصه منه ؟ فقال عمر : و مالي لا أقصه منه و قد رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ يقص من نفسه ؟ ، و كتب عمر إلى أمراء الأجناد : لا تضربوا المسلمين فتذلوهم! ولا تحرموهم فتكفروهم ! ولا تجمروهم[23] فتفتنوهم ! ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم ![24] .

وهذا المفهوم الذي أعطاه النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ للسلطة و الحكم لا يوجد له نظير في العالم قديمه و حديثه و إنما ساءت أحوال المسلمين بعد ذلك حين أصبحت المسؤولية غنيمة يتوارتها الناس ...

5 – إسناد المهمات إلى أصحاب الكفاءة: بمعنى أنه يستفيد من جميع الإمكانيات والطاقات المتاحة، فلقد ولى خالد بن الوليد قيادة في الجيش على حداثة عهده بالإسلام، وكلف معاوية بن أبي سفيان بكتابة الوحي، وأبوه كان من أشد المناوئين له، واليوم لا تسند المهمات السياسية والعسكرية إلا لأصحاب أقدميات معلومة، واتجاهات محددة، فلا يكون توزيع الوظائف على أساس الكفاءة والأهلية بمقدار ما يكون ذلك على أساس الولاء والانتماء، والكثير ممن يتحكمون اليوم في رقاب المسلمين وأموالهم ويلحقون بهم الهزيمة تلو الأخرى في شتى الميادين إنما جاؤا إلى مهامهم ومسؤولياتهم بطرق ملتوية، وعلى أساس حزبي أو جهوي أو مصلحي لا علاقة له بالكفاءة ، وفي الوقت ذاته أوصدت الأبواب الحديدية أمام أهل الكفاءة .

7 – فتح القلوب قبل فتح البلدان : فلقد عرضت عليه السيادة و الملك و من شأن ذلك أن يختصر له الطريق لتبليغ الدعوة و لكنه أدرك بحصيف رأيه أن الوصول إلى حكم الناس بطريق مريب و إن فتح الكثير من السبل لنشر الدعوة إلا أنه لا يكون مؤهلا لفتح القلوب و لذلك فإنه جاء إلى التغيير من أبوابه فصابر معهم ، وأعطى للبشرية دروسا مثالية في كيفية التعامل مع الآخرين والتأثير عليهم أيضا، وما أرى علم التنمية البشرية الحديث إلا مأخوذا من سنته – صلى الله عبيه وسلم _ وهو القائل : إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم، وهو القائل لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن : إياك وكرائم أموالهم ، وهو القائل : لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق.



الملخص :

لقد أصبح العالم اليوم مجرد قرية كونية صغيرة بفعل ما توفره وسائل الاتصال والإعلام الحديثة ، واكتسحت فكرة العولمة كل الحدود وتفتحت أمامها جميع الأبواب المغلقة ، وأصبح كل شيء مفتوحا أمام أي شيء ، سلعا وأفكارا وأديانا وتصورات ، والواجب على المسلمين اليوم أن يستغلوا كل ذلك في إيصال دينهم ومبادئهم إلى كل مكان أداء لواجب التبليغ.

ويساعدهم في ذلك العلم الحديث وما صاحبته من نظريات اجتماعية ونفسية في الكشف للعالم عن عظمة وصحة المعلومات والمباديء التي جاء بها الإسلام ممثلة في القرآن الكريم والسنة الشريفة ، فطفق المسلمون يبحثون في الموافقات التي توصل إليها العلم الحديث مع نصوص الشريعة الغراء تحت مسمى الإعجاز العلمي ، ولقد أسلم بفعل ذلك الكثير من أرباب الفكر والنظر ، في الشرق والغرب، ومع ازدياد الكشوفات الحديثة المطابقة لما ورد في القرآن والسنة تنوع البحث في وجوه الإعجاز، إلى إعجاز علمي وآخر غيبي، وثالث نفسي وتشريعي وغير ذلك.

وموازاة مع ذلك ظهرت دراسات محدثة تتناول سنن التغيير الاجتماعي وما يشترط لنجاحها ، وما تتطلبه عملية التغيير من نفقات وتضحيات ، وظهرت أقوال حتى عند غير المسلمين تؤكد أن فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – في ذلك لا يمكن أن يقوم به غيره.

وإذا كان الشيوعيون قد استطاعوا أن يصدِّروا أفكار وتخاريف ماركس ولينين وستالين على تواضعها ، واعتنقها رغم ذلك ملايين البشر ولا يزالون ، فإن البحث في موضوع التغيير في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم – وما تميز به من خصائص في قلة التكاليف من جهة وعظمة النتائج من جهة ثانية ، بما يعني الإعجاز في فعله أثناء حياته ، وسيلة فعَّالة في التعريف بعظمة الإسلام ، وعظمة نبي الإسلام ، ومن شأن ذلك أن يدفع الكثير من الباحثين والمتأملين في سنن التغيير الاجتماعي إلى الإسلام ، إضافة إلى ما يوفره ذلك للمسلمين من تفقه في سبل الخروج من الحفرة التي هم فيها.

وتعالج هذه المداخلة بعض المنجزات المعجزة للنبي – صلى الله عليه وسلم – في الارتقاء بالبشرية ، وأسباب ذلك، ولا يزال الموضوع في حاجة ماسة إلى أبحاث أخرى تبحث في مظاهر التبدل في حياة العرب والمسلمين بعد الإسلام ، وأيضا في البحث عن الأسباب الكامنة وراء ذلك